#dfp #adsense

قلب العونيين أجنحة… متكسّرة (بقلم فيرا بو منصف)

حجم الخط

جلست صديقتي تراقب بحذر ما يجري على أرض مطار بيروت. غرقت في صمت عميق مريب. صديقتي "عونية" وان كانت ترفض التوصيف، تقول انها من "التيار الوطني الحر" وأنا اصرّ على التسمية بانها عونية. تحب عون، ما زالت مقتنعة انه محق… بالحد الادنى! أخطأ كثيرا أعرف لكنه صادق تقول! لم يف بأغلبية وعوده حتى الآن لكنه شفاف تقول! الشيء ونقيضه في آن، وعندما أتوغل مع صديقتي التي أحبّ في الاسئلة والنقاش الحاد، تضيع، تضيع في التفاصيل الموثّقة والحقائق التي لا مفر منها، فتنهي النقاش بتلك العبارة الشهيرة اياها: "انا مش مع حدن كلن متل بعضن كلن حراميي وكذابين"…

جلست قرب صديقتي العونية نتابع "بنك" الصور الذي انهال علينا من حي عشيرة آل المقداد، و"سررنا" جداً خصوصاً بجناحهم العسكري، الذي أقفل طريق المطار بينما كانت تنتظر بفارغ الصبر وصول خطيبها العوني أيضا من قطر، وبدت في غاية الخوف حين اطلقت الكاميرات العنان لرؤية عيّنة من الجناح العسكري للعائلة الكريمة. وحين سمعت الكلام "الراقي" الذي وُجه لرئيس البلاد، وتهديد الاجنحة للبنانيين وامهالنا، حينا ساعات، واحيانا دقائق، فاما استرجاع المخطوفين الـ 11 من سوريا وعودة ابنهم حسان المقداد من قبضة الخطف – ولا نعرف حتى الساعة من هو فعلا ومن خطفه ولماذا وما سرّه – والا… لراح البلد!!!

كانت عينا صديقتي تدمعان. كانت خائفة لا تعرف ما تقول أو تفعل، تفرّست في التلفزيون علها تلمح عيون من تحب بين العيون التائهة في المكان، وتأثرت كثيرا لمشهد مواطنين محتجزين في الحيرة والخوف بين التهديدات ونيران دواليب سوداء، ولا يتمكنون من الوصول الى المطار ولا الرحيل منه. وقفوا كالاطفال محتجزين ضائعين هائمين على أرض وطن بدأ يضيع منهم، ويضيّعهم في زحمة الاجنحة والجمهوريات والترسانات.

لم تنظر صديقتي العونية الي، خشية أن اتلمّس عيون الخوف في مقلتيها، أن أسألها أي سؤال، خشية أن أشمت بها، ظنت اني سأفعل لان كل ما يجري هو من بطولة واخراج ونتاج حليفها حزب السلاح، وصديقتي حتى الامس القريب كانت مؤمنة بوثيقة التفاهم تلك، تتدثر بها حين تريد أن تخيف المسيحي الاخر وتحديدا القواتيين، بتلك المنظومة اياها التي يكررها على مسامعهم زعيمها كاسطوانة مملة ماغطة، أي الحذر والخوف والتهديد بالتطرف السني، وتركيز الخوف المصطنع على من يصرّ على تسميتهم بـ"الاقلية المسيحية"، وما شابه من تعابيره الكليشيه.

لم أسأل صديقتي ولا سؤال، احترمت خوفها وضيقها. أنا احبها رغم ان زعيمها علّمني ثقافة الحقد، أعترف للمرة المئة. أنا أحبها كثيرا، هي طيبة صادقة حنونة تحبني رغم قسوتي عليها وجنوني أحيانا، حين تفقد كل منطق في الدفاع عمن تظن انه "الزعيم"، والمصيبة انها تعرف في سرّها انه ليس كذلك، ما عاد كذلك منذ زمن، وتسكنها الخيبة والمرارة، خيبة السنين من نضال ضاع في جنون العظمة، وتحالف أضداد يختلفون في كل شيء والاهم على كيان لبنان. صديقتي تعرف كل هذا وأكثر بكثير بعد، لكنها لا تبوح لي على الاقل، كي لا أسجّل عليها انتصارا، هكذا تظن.أني اسجّل انتصارا بينما في الواقع هي من يفعل، اذ تسجل انتصارا على ذاتها برفض من حوّلها ورفاقها الى وقود لاحلامه الهابطة بعدما ذاقوا لوعة الاحتلال والاعتقال والاستشهاد. هي تحب بلادها كثيرا وتخشى عليه، ولكنها كما كثر من رفاقها "العونيين"، احتُجزت في المأزق. وقفت كهؤلاء المواطنين الضائعين على أرض المطار، لا مطار يحطّ بهم، لا طائرة تقلّهم الى البعيد حيث الرزقة، ولا سيارة تعيدهم الى البيت حيث الامان. وقفوا وكل ما من حولهم وجوه من دون معالم تدور وتدور في الفراغ.

وثيقة التفاهم؟ أين هي ما مفاعيلها؟ أين ميشال عون منها؟ أين حزب الله من ميشال عون؟ اين عون والعونيون رفاقها من هذا المشهد؟ ما تعليقهم؟ ماذا يقولون؟ خطيبها كما المئات ربما من رفاقه في الانتماء، احتجزوا بالقوة الى رصيف الجمهورية البديلة، على قارعة الاجنحة، وصاروا كما غالبية اللبنانيين أجنحة لا تطير متكسّرة. خطيبها كما آلاف اللبنانيين مهددون بالطرد من قطر وباقي دول الخليج العربي الشقيق لآن بعضهم قرار خطف مواطنين عرب لا ناقة لهم ولا جمل بما يجري في سوريا وإرتدادته في لبنان البلد الذي يزورونه دورياً كونه محببا عندهم ومساحة تنبض بحب الحياة في هذه البقعة من الارض.

لاذت صديقتي بالصمت الحزين. حزن ثقيل لا يجد تعبيرا يحكي عنه، انتقلت الى شاشتها التي ما عادت مفضلة، علّها تسمع كلاما يروي غليل اللبنانية العطشى فيها، فلم تسمع. غرقت الرابية في الصمت، في فوضى الكلام، في مأزق الموقف… نهضت صديقتي، غيّرت المحطة، أشاحت بوجهها، ما عادت تريد أن تسمع الا صوت خطيبها يخبرها انه تمكن من قطع الطريق أمام من قطعوه، وهو مهرول سيرا الى قلبه، فنظرت الي وقالت "عاد قلبي فما همي ممن باع قلبه وروحه وضميره للشيطان…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل