#dfp #adsense

أيّتها الدولة… متى تبدأين بإعادة إعمار كرامتك؟

حجم الخط

لم تكن الصّدمة هائلة حين دحض بعض اللبنانيّين مفهوم الكيان ذي السّيادة، فردّنا الى ما أشار إليه علماء الأنتروبولوجيا السياسية من أنّ الكيانات تنقسم الى ما قبل الدولة والى ما بعدها، أي أنّ بعض التجمّعات البشريّة لم تستكمل أسس الدولة بالمفهوم الحديث، أو أنّها لم تصمد أمام التعريف الدّقيق للدولة. وبدا لنا أنّ ما يسمّى الدولة النظام هو باطل يتستّر بالحقّ. فأصبحنا، بالتالي، مشوّشين على مستوى التّحديدات، وبحاجة الى معجم سياسي جديد يعيد إنتاج دلالات لكثير من المصطلحات السياسية المتداولة في المجتمعات الرّاقية .

إذا كان الكيان يقوم على أقانيم ثلاثة هي الشعب والأرض والنّظام، وإذا كان النّظام يعني الهيبة والحضور والقانون، فإنّ الرّهان على سيادته قد استفزّه بعض قطّاع الطّرق بفائض من الفوضى، وأصدروا بيان نعي له تدنّت أمامه كرامة السلطة التي فشلت في إجراء جراحة تجميليّة لتخاذلها وعقمها. وقد عجزت عن عدم الذّوبان في زمن الهمجيّة، فتحوّل مسؤولوها الى شيوخ صلح، ولكن بحال رخوة غير منتجة أو مسموعة، ما جعلنا نقوم برحلة إستكشافيّة علّنا نعثر على شيء من كرامتهم، فلم نجد لذلك أثرا.

ما شاهدناه في وسائل الإعلام ليس مادة مسلّية، بقدر ما كان دراما وطنيّة أو حقل ألغام مفخّخ لكلّ نقلة من عصر القبليّة للولوج الى مرحلة النور. ما شاهدناه كان رسما كاريكاتوريا لزمن الغزوات ونصرة ذوي القربى، حتى لتظننّ أنّ موقعة صفيّن أو مرج دابق على الأبواب. لقد هزم أصحاب الحقّ حقّهم بالغوغاء، وضيّعوا مطلبهم بتحدّي النّظام، وانحدروا الى انتماء دون وطني لتصبح العصبيّة هي الملاذ والسلطة والكيان، وهدموا منظومة القيم وهي حقّ لصيق بالمجتمع العشائري، من خصوصيّات الكرم وحسن الضيافة ونصرة الملهوف، على فوّهة بندقيّة.

إنّ مرحلة ما قبل الدولة، غير المأسوف على شبابها أساسا، والتي استعيدت بأبهى حللها، هي وصمة عار شوّهت محيّا المدنيّة، ولم يكن لنا سوى أن نتوجّه بالتحيّة لهولاكو الذي أحرق بغداد وتراثها الثّقافي، ليقضي على دولة العبّاسيّين، أو ليوليوس قيصر الذي أحرق مكتبة الإسكندريّة وما تحويه من أمّهات الكتب، ليقضي على الأسطول المصري الموجود في مينائها آنذاك. الفارق أنّ همجيّة القادة الأقدمين دوّنها المؤرّخون ضمن إطار له ظروفه التبريريّة وأسبابه التخفيفيّة، في حين أنّ التاريخ الحديث لن ينسى أنّ ما حدث عندنا هو لوثة زمن رديء، ونحر لسيادة القانون، وتحدّ لملح الأرض، وتكريس لجزر مسلّحة، وانهيار لموسّسات النّظام التي تخلّت عن دورها الوظيفي في حفظ الأمن ومواجهة الإستقواء، ما يشكّل سلوكا مدمّرا لدولة المواطنة التي باتت مشكلة نوعيّة بدلا من أن تكون انتصارا للإنسان، وحضورا جديّا بالقانون للشروخ التي تفسّخ في النسيج الوطني، وإدارة لخصوصيّات الحريّة والديمقراطيّة التي لا تنزع الى إعطاء صكوك براءة وطنيّة للفوقيّين الذين يقسمون الناس الى شرفاء ورعايا، والمحتكمين الى قانون القوة بدلا من قوّة القانون والى سيادة السّلاح بدلا من سلاح السّيادة، والمصادرين قرار الوطن تحت مسمّيات وذرائع لم تعد مقبولة.

مهما كانت قراءة الواقع حسنة النيّة، غير أنّ تدحرج الأحوادث لا يترك مجالا للشكّ في أنّ ما وراءها هو غير بريء. إنّه نوع من فرط القوّة التي تبحث عن ترسيخ أبديّ لهيمنتها، وفرض أيديولوجيّة ساديّة تقول إنّها لن تزول، وهو رسالة "أخويّة" لتظهير مشهد لبنانيّ لا يزال في دائرة النار، ورقما في جدول القتل. ويبقى السؤال: أيّتها الدولة، متى تبدأين بإعادة إعمار كرامتك؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل