في تاريخ الشعوب، ثمة مفكرون وفنانون وصحافيون يشكلون رأس حربة في النضال في سبيل الحرية والقيم الانسانية، وآخرون أقصى طموحهم نظم قصائد المديح وإنشاد الاشادات والقيام بعروض بهلوانية في بلاط المتسلطين وتقديم فروض الطاعة للمحتلين… وفي هذه الفئة الاخيرة يندرج الموسيقار ملحم بركات بكل أسف… "الشعطة" في الفن قد تولّد إبداعاً كما هي حال أبو مجد، أما "الشعطة" في المواقف ومناصرة السفاحين أمثال بشار الاسد فتولّد حتماً عبودية وتجعل من بركات "أبو الذل"…
في عزّ الزمن السوري في لبنان والنظام الامني المشترك، ويوم وصلت كلمة سر نظام الاسد العام 1998 بـ"تعيين" "الرئيس المكاوم" إميل لحود رئيساً للجمهورية برفع الايدي تحت قبة البرلمان، أطل علينا ملحم بركات ليروّج لـ"الفرمان السوري" بتعيين لحود عبر أغنية "من فرح الناس عرفنا إنك جايي عرفنا"… وفي العام 2004، وبعد إنجازات عهد لحود الاول من "تحرير الجنوب" وما تبعه من تهجير الآلف اللبنانيين الى إسرائيل بعد تهديد امين عام "حزب الله" لهم بذبحهم بأسرتهم، الى قمع وسائل الاعلام وتسكير الـmtv، الى تصفية المعارضين أمثال الرفيق الشهيد رمزي عيراني، الى بطولات 7 آب وغيرها من وصمات العار في تلك الحقبة، وعوض أن يغني بركات "نعترف امام الله" تكفيراً عن خطيئته الوطنية بالترويج لمشاريع المحتل عبر أغنية "من فرح الناس عرفنا إنك جايي عرفنا"، جدّد تمسكه بدوره كبوق لبلاط الاسد ونظم أغنية "من كتر ما حبو مددولو" للترويج للتمديد غير الدستوري لإميل لحود…
واليوم وفي خضم الربيع العربي والرياح الديمقراطية التي عصفت بالانظمة الديكتاتورية والعسكريتارية من تونس الى ليبيا ومصر والتي تهزّ عرش بشار الاسد الذي يواجه بدموية غير موصوفة شعبه، أطل بركات خلال إحيائه ليلة من ليالي مهرجانات البترون مغتنماً الفرصة ليحيي الأسد الذي سبق وزاره منذ فترة قصيرة في دمشق. ربما بركات اراد ان يشكر الاسد على عبوات الموت التي ارسلها لنا هدية مع عميله ميشال سماحة. وإن كان يعتبر انه في حضرة "الوزير الصهر" الذي يؤمن في بلدته بيئة حاضنة لمناصري نظام الاسد فهو مخطئ جداً، فدائرة البترون قالت كلمتها في العامين 2005 و2009 ورفضت أن يمثلها متزلف في ساحة النجمة واكّدت انها في طليعة ثورة الارز التي شكلت نموذجاً يحتذى به في العالم العربي. وإن أراد بركات بإمكانه الانضمام الى دريد لحام ورغدة وغيرهما من الفنانين السوريين الذين يتابهون بإهراق دماء شعبه فداء لنظام الاسد الحاكم بالحديد والنار منذ اكثر من اربعين عاماً… واصالة الفنان ليست فقط بالاداء بل بالوطنية ايضاً…