كتب جورج شاهين في صحيفة "الجمهورية":
في الأيام القليلة الماضية ظهر جليّاً أنّ كلّ الإنجازات الأمنية والاقتصادية والسياسية التي تحقّقت في الفترة الأخيرة قد تبخّرت في ساعات، فعندما وضعت العشائر مناطق لبنانية واسعة تحت سلطتها قياساً على حجم "بنك أهدافها" غابت الدولة عن السمع وعن الأرض معاً، وحضر الملثّمون المسلّحون على الشاشات. وبدأ لبنان يفرغ من المصطافين والمغتربين والأمن. فما الذي حصل؟
لا يختلف لبنانيان على القول إنّ البلاد عاشت في الأيام القليلة الماضية ساعات من الخوف والهلع لا يمكن اعتبارها إلّا من "البروفات" التي يمكن أن تتجدّد في أيّ لحظة سياسية أو أمنية حاسمة، فليس هناك من اقتنع بأنّ ما شهدته البلاد من هذه الحالات الشاذة كان من فعل "الجناح العسكري لآل المقداد" وحسب.
وعلى رغم اعتراف الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله بأنّ كلّ ما جرى في الأيام القليلة الماضية كان خارج سيطرة الثنائية الشيعية لأمل وحزب الله، فإنّ هناك من لم يقتنع بذلك ولا يريد أن يقتنع. وذلك بالاستناد الى الحملة المنظّمة التي تولّاها قادة الشاشات وأبطالها في أكثر من مناسبة وموقع وصولاً إلى طاولة الحوار والمنابر والمحاضر التي نشرت.
وعلى رغم الربط الذي يُجمع عليه المسؤولون في ما حصل، وردّه في جزء كبير منه الى "الأداء السياسي والإعلامي السيّئ" في لبنان، الذي دفع بالمواطنين الى الشوارع بشكل استحالت، لا بل تعطّلت فيه كلّ المحاولات للجمِه واستعادة السيطرة على الوضع من جديد. فقد بات مُلحّاً الوقوف عند بعض المظاهر التي تدعم هذا الرأي وتبرّره.
شاشات لمشاهير المجهولين
ومن هنا يشارك كثيرون السيّد نصر الله رأيه في الأداء الإعلامي. فشاشات التلفزيون التي أعلنت سباقاً غير مسؤول لم تخصّص يوماً ساعات من البثّ المباشر لمجموعات وأشخاص من مشاهير مجهولي الهويّة قبل اليوم، مسلّحون وملثّمون لا يعيرون المواقع الرئاسية والحكومية والنيابية والحزبية، ولا علاقات لبنان الإقليمية والدولية أيّة أهمّية، لا بل يسخرون منها، ويوزّعون التهديدات والشتائم الى القادة العرب والأجانب ويحرّضون الناس على المشاركة في أعمال الشغب من دون أيّ وازع أو مسؤولية، والمؤسف أنّ معظم الشاشات باتت تتسابق لكسب ودّهم وعطفهم في ظاهرة لم يشهدها لبنان من قبل.
لقد كانت في ما مضى شاشات التلفزيون وأثير الإذاعات حكراً على ظهور كبار السياسيين والقادة والمحلّلين السياسيين الذين يستحقّون اللقب، ومَن بيَدهم القدرة على تحمّل مسؤولية ما يقولون وما يجاهرون به أمام الناس، وفي حال العكس كانت دقائقهم وثوانيهم بعشرات الآلاف من الدولارات للإعلانات التي تروّج للمنتجات التجارية.
يتهّمون يحكمون ويحاكمون!
على هذه الخلفيات، قيل الكثير الكثير، وبات للبنانيّين قادة جدد في الإعلام والسياسة وجلّهم من المسلّحين ايضاً، ومن الطامحين الى مواقع السياسيّين عبر قيادة مجموعات مسلّحة وملثّمة وإرهابية، تتّهم، تحكم وتحاكم، على خلفيّات مذهبية وطائفية ومناطقية، وتعيث في البلاد فساداً وتزرع الرعب في أوساط الناس والمقيمين على الأراضي اللبنانية من عرب وأجانب، من دون أن يتحمّلوا أية مسؤولية امام أيّة هيئات أو مؤسّسات أو مرجعيات في ما يمكن ان تؤدي اليه مواقفهم وما تعكسه من ضرر على لبنان واللبنانيين وعلاقات لبنان الإقليمية والدولية.
والأخطر من ذلك، بات هناك من بين اللبنانيين من ينتظرون طلّاتهم التلفزيونية بكلّ شغف وينتظرون تعابيرهم التي ذاع صيتها فيردّدونها على كلّ شفة ولسان وعبر المواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الإجتماعي. ولم يعد خافياً على كثيرين تردّد كبار المسؤولين عن الظهور الإعلامي بعدما تحوّلوا بنظر هؤلاء " القادة الجدد" الى مجموعة من الخونة والفاشلين لا يكترثون لمواقعهم ولا لمواقفهم، فاستأثروا بالشاشات لساعات وساعات غير عابئين بأعصاب الناس وعواطف المفجوعين والمصابين النفسية والإنسانية وقدراتهم على ضبط النفس وتبيان الخبر من الرواية أو الشائعة، فكيف إذا كان هنالك من هم متخصّصون في بثّ الشائعات وفبركتها يورّطون المسؤولين والمرجعيات بمواقف وتسريبات لا تمتّ بصلة لا إلى مواقعهم ولا إلى قراراتهم ولا توجّهاتهم، وليس هناك من يكلّف النفس العودة إلى المراجع المعنية للتثبت من خبر أو رواية أو واقعة.
ومن هنا يقترح المُطّلعون على الكثير من الحقائق وما يدور في الكواليس من مقالب ومؤامرات، أن يُفتح دفتر الحساب مع كلّ من يخلّ بالأمن الإعلامي والسياسي أو يشجّع على أعمال الشغب.
… وعلى الأداء السياسي مسؤولية
ومن دون أن يكون الإعلام مسؤولاً وحيداً عمّا حصل، فلفتة سريعة الى الأداء السياسي تكفي للتخفيف من وطأة التهمة الموجّهة الى الإعلاميّين، وهو أمر يقود الى تحميل المسؤولية الى كلّ من لا ينفّذ القرارات التي يتّخذها أو يشارك فيها. فقبل عمليات الخطف والخطف المضاد وظهور المجالس العسكرية للعشائر، هل التزم اللبنانيون كافة بقرارات النأي بالنفس التي هلّلوا لها في شكلها وتوقيتها ومضمونها؟
وهل التزم قادة الأحزاب والأقطاب اللبنانيون جميعهم بما يضمن تجنيب لبنان تداعيات الأحداث الدائرة في سوريا بعد موجة الربيع العربي الواسعة التي اجتاحت دولاً وأنظمة؟ وهل بلغ اللبنانيّون درجة الرشد التي يحتاجها لبنان ويستحقّها اللبنانيّون، أم أنّهم يحنّون إلى عهد الوصاية ويريدون أن يعيد التاريخ نفسه بالسرعة القصوى؟