كتبت صحيفة "الجمهورية":
دمشق هذه الأيام لم تعد كما كانت عليه في الماضي. بات السير في الطريق يتطلب نوعاً من الشجاعة، لأنّ جميع المواطنين "متهمون بوطنيتهم".
الشعب السوري في غالبيته، إمّا في السجون أو شهداء أو مطلوب من الأجهزة الأمنية أو مهجّر، والباقي خائف من المستقبل، ما عدا الذين يدينون بالولاء للنظام، هكذا توصّف الناشطة الحقوقية والمحامية سيرين الخوري واقع الحال في عاصمة الأمويين.
تقول خوري في حوار مع" الجمهورية": "الحال أشبه بحظر تجوّل اختياري، لأنّ المرور في أي شارع يُمكن أن يُعرّض أي شخص للخطف أو السؤال عن وجهته. وبعد الساعة 11 قلما ترون أحداً في الشارع، مع أن هنالك مقولة أن السهرة الشامية تبدأ بعد الساعة 11ليلاً، ولا سيما في ريف دمشق".
وضع دمشق لا يختلف كثيراً عن حمص ودرعا والسويداء. ففي حي درعا وحده، نُصب نحو 48 حاجزاً، في بعض الفترات، وهنالك شوارع معروفة يتمركز في أعلى مبانيها قناصو الدولة، بشكل مستمر…
أمّا "الجيش السوري الحر" يتنقّل متخفّياً، إمّا في منطقة اللجاة، وهي منطقة صخرية فيها تجاويف وتسمح بالتخبئة، أو بين الأهالي، حيث يكون الشخص من الجيش الحرّ ولا أحد يعلم أنه كذلك.
تقول خوري:" الشبّيحة في درعا هم من أهل المنطقة، بينهم سنّة وشيعة، ولكن لا فرق بينهم فهم في النهاية شبّيحة"، وتوضح بأنّ" الشبّيح هو الأزعر في كل منطقة، فلا طائفة ولا أخلاق تردعه".
ليل درعا تملأه أصوات المدفعية، التي تُمعن في قصف المنطقة ليل نهار. حال ينطبق على المناطق المحيطة، التابعة لدرعا، كبلدات داعل أو الحراك جمرين، أم ولد، المسيفرة، كفر شمس، وغيرها.
وتضيف خوري: "لا يزال قسم من سكان درعا يتواجد فيها، في حين أنّ جزءاً كبيراً من أهل المحافظة أضحوا لاجئين في الأردن، ولا سيما أهالي ضيعة معربة، الذين رحلوا عنها بعد أن أُحرقت بيوتهم".
في مدينة السويداء، يبدو في الظاهر، أنّ الوضع طبيعي إلى حدّ ما، غير أنّ الحواجز والإعتقالات والتهديدات لأهاليها وبلداتها وقراها لا تهدأ أبداً، وقد ازدادت في الشهرين السابقين، خصوصاً وأنّ هناك شهداء سقطوا على يد الأجهزة الأمنية.
وهذا ما يدفع أهالي السويداء إلى التظاهر أحياناً في مناطق درعا، وذلك أكثر أمنًا لهم.
وتُثمّن خوري قيام أهالي السويداء بإغاثة حقيقية لأهالي درعا، من تقديم المال أو السكن أو الطعام للاجئين، بعد إدراكهم لألاعيب السلطة التي جهدت لتطييف الحراك، وتصوير الثورة كثورة سنّية، وتؤكد أنّ هذا "كذب بكذب، وليس خافياً على غالبية الشعب السوري".
وتقوم الناشطة الحقوقية التي اعتقلت لمدة عشرة أيام، بتغطية شؤون وأخبار الإعتقالات والمعتقلين وأعدادهم، والمحاكم منذ بداية الحراك.
الإعتقال
وعن تجربة الإعتقال تقول: " في 16/3/2011 شاركت باعتصام للمطالبة بالإفراج عن السجناء السياسين وسجناء الرأي، وقد شاركت بذلك الإعتصام حين سمعت صوت إحدى الصبايا تصرخ، فحاولت إنقاذها من يد قوات الأمن، فقام ثلاثة من عناصر الأمن باعتقالي وجذبي من شعري بطريقة مُقزّزة، إلى باص الأمن".
وتضيف: " تعمّدت أن لا أقاوم في هذه اللحظة، لأنني رأيت بعض المشاركات بالإعتصام يُركلن بالأرجل في منتصف ساحة المرجة الشهيرة".
في فترة التوقيف، لم يُسمح لخوري ورفاقها الإتصال بأهاليهم أو حتى بتكليف محامٍ، وبالتالي أنّ عائلاتهم لم يعلموا بالضبط أين تمّ توقيف أبنائهم.
ظروف توقيف المحامية كانت سيئة جداً. تقول خوري: "تمّ وضعنا في الفرع، وأعطيَت كل منّا غطاءين… لكنّها كانت ليلة باردة جداً". لحظات قاسية مرت على المحامية الشابة، ولم تجد غير الغناء للتخفيف من وطأة الظروف التي عاشتها من لحظة الإعتقال لغاية الوصول إلى السجن.
وتقول خوري:" في سجن دوما للنساء كان الوضع سيئاً جداً، تمّ حشر عشر سيدات في غرفة واحدة، ولم يكن فيها سوى ثلاثة أسرّة، فنمت على فرشة على الأرض تقاسمتها مع زميلاتي، لأكتشف في الصباح أنّ المجارير كانت تمشي تحتنا".
سجناء الرأي
تجربة المحامية الشابة كناشطة حقوقية ليست وليدة الحراك الثوروي الذي بدأ منتصف آذار من العام الماضي.
فمنذ العام 2002 ، تولت المحامية سيرين الدفاع عن سجناء الرأي، بما فيهم السلفيين والإخوان والشيوعيين.
تقول خوري:" لقد ترافعت أمام محكمة أمن الدولة السيئة الصيت والسمعة، فهي محكمة إستثنائية بالأصل، ولكننا اضطررنا للوقوف أمامها، كونها محكمة حقيقية في ظروف طارئة… أول من دافعت عنه وكان حدثاً أنذاك، وهو الطفل الحدث مصعب الحريري، لأن جميع المحامين يأبون الدفاع عنه. ولدى سؤالي له عن التهمة الموجهة إليه، أجاب "إخوان مسلمين"، قلت أنا سأدافع عنك. وعندما خرجت من المحكمة كنت أضحك، أنا علمانية وأهلي مسيحيون" !!
محامية مع وقف التنفيذ
الاّ أنّ هذه المحامية لم تستطع منذ ستة أشهر الذهاب إلى القصر العدلي لمزاولة عملها، كونها مطلوبة لفرع الأمن العسكري. أمّا تهمتها فتبدو مضحكة مبكية. تقول خوري: "وضعي كالطفل الذين يقولون له معاقب، فيشرع في التفكير على ماذا وماذا ؟! وقد تكون مقابلتي لوفد لجنة الجامعة العربية، أو دفاعي عن أطباء من التنسيقات يقفان وراء ذلك".
وفي حين ينبغي على نقابة المحامين حماية أعضائها من تعسّف السلطة، تحولت النقابة إلى "مؤسسة أمنية" بجدارة، تسلّم أعضاءها إلى الأجهزة الأمنية وتحرص على محاباتها بعكس مهامها، وقد استدعيت خوري إلى مقرّ النقابة في دمشق، حيث طُلب إليها تسليم جواز سفرها، لضمان عدم مغادرتها الأراضي السورية.
الاّ أنّ التضييق والملاحقة اللذين تتعرض لهما لم يُحبطاها، آملة أن تنقل إلى العالم صوت الثوار، بصفتها شاهدة على الثورة وموثقة لها.
وتتوجه إلى الثوار على الأرض بالقول: "أنا جزء من هذه الثورة، وسوف نقلع أشواكنا بأيدينا، وستكون لدينا سلطة قضائية عادلة، ولن نتوانى عن متابعة كل المسؤولين عن قضايا القتل والنهب والفساد، وسنحاول أن نبني سوريا جديدة حديثة، حيث لكل السوريين مكان فيها".
وفي حين تدعو النظام المستبد إلى وقف القصف الوحشي وعدم قتل السوريين، تناشد في الوقت عينه المعارضة السورية في الداخل والخارج إلى "التوقف عن حجز الكراسي، والعمل من أجل إيقاف حمّام الدم، ليستحقوا تمثيل الشعب السوري"، وتختم بقولها للمجتمع الدولي " أنّى لكم أن يصحوا ضميركم، فكفاكم متاجرة بدماء السوريين".