#dfp #adsense

بين العصابات و”أبو ملحم” لبنان بات “جمهورية موز”

حجم الخط

كتب محمد إبراهيم في صحيفة "السياسة" الكويتية:

أي دولة تلك التي تقبل التنازل أمام منطق الميليشيات والعصابات بحجة "احتواء" الأوضاع وتفادي الصدام مع "الأهالي"؟

أي دولة تلك التي تسلم أمن مواطنيها والمقيمين على أراضيها إلى ثلة من قطاع الطرق والخارجين على جميع القوانين بحجة "استيعاب" و"تفهم" غضبهم؟

أي دولة تلك التي تفاوض مجموعة من العابثين بالأمن والمراهقين الذين يقطعون طريق المطار، المنفذ الجوي الوحيد للقادمين إلى البلاد والمغادرين منها؟

أي دولة تلك التي توفد وزير داخليتها (مروان شربل) للتفاوض مع عشيرة (آل المقداد) بجناحيها "العسكري" و"السياسي"، فيرفض الوجهاء والزعماء الأكارم استقباله؟

أي دولة تلك التي يقول رئيسها ميشال سليمان وهو أعلى سلطة فيها "دستورياً" لا ولا ولا (3 مرات) لقطع طريق المطار "بعد اليوم" (منذ اسابيع)، ثم تعود وتقطع هذه الطريق من دون أن تحرك القوات العسكرية والامنية ساكناً بحجة "استيعاب" الأوضاع، وانتظار فورة دم "الاهالي" حتى تهدأ؟
أي دولة تلك التي لا تضرب بيد من حديد لتفرض هيبتها وتزج بجميع أفراد العصابات في السجون قبل أن تستفحل الامور وتندلع حرب أهلية تحرق الأخضر واليابس؟

إن ما جرى خلال الأيام القليلة الماضية ومازال مستمراً في لبنان من حفلة جنون وهستيريا لعشيرة آل المقداد من اختطاف لعشرات السوريين وبعض الأتراك وتهديد الخليجيين,،رداً على اعتقال "الجيش السوري الحر" احد ابنائها في سورية، لطخ صورة لبنان – الدولة أمام العالم العربي وجميع دول العالم، ودفع كبار الديبلوماسيين الخليجيين وغيرهم الى السؤال: "أين هي الحكومة"؟

كثيرون، ومنهم من سألوا، يعلمون أن الجواب بديهي، وهو أن هذه الحكومة، المتوقع سقوطها قريباً، مشلولة بحكم تركيبتها "الهجينة" التي فرضتها ظروف انقلاب "حزب الله" وحلفائه على حكومة الوحدة الوطنية السابقة، و"ضعيفة" لأنها تضم جميع حلفاء النظام السوري المتداعي الحاليين و"السابقين" (وليد جنبلاط).

لكن المشكلة – المعضلة أبعد من الحكومة بكثير، فالدولة المترهلة بمؤسساتها وأجهزتها الادارية والامنية والقضائية لا يمكنها معالجة أي ملف خلافي أو طارئ إلا على طريقة "أبو ملحم"، الشخصية القروية اللبنانية المحببة التي تعتبر أن تقديم النصيحة الطيبة للأشرار يكفي لردعهم عن شرورهم.

وأحدث الادلة على ذلك تشكيل الحكومة قبل يومين "خلية أزمة" لمتابعة ملف المخطوفين والرهائن، من دون أن توضح كيفية هذه المتابعة، بعدما رفضت عشيرة المقداد "بجناحيها العسكري والسياسي" أي تفاوض مع الدولة، وأصرت على حصره بالصليب الأحمر للتوصل الى اتفاق مع "الجيش الحر" بشأن تبادل المخطوفين.

وأمام تمسك عشيرة المقداد بمواقفها وتحول المنتمين إليها والمتحدثين بإسمها الى نجوم اعلاميين يتبادلون الظهور على شاشات التلفزة اللبنانية، التي تتحمل مسؤولية كبيرة في تأجيج الفوضى والفلتان بعد فتح الهواء ساعات طويلة امام الخاطفين والمخطوفين للتعبير عن آرائهم "بحرية"، اضطر المسؤولون الحكوميون في دولة "أبوملحم" إلى الانضمام لصفوف الجماهير المتابعة للاعلام, ممارسين سياسة "النأي بالنفس" التي اعتمدوها في التعامل مع الازمة السورية, لكن هذه المرة مع "الأزمة اللبنانية".

والمضحك – المبكي أن وزير الخارجية عدنان منصور، المحسوب على حركة "أمل" الشيعية المفترض أنها اقرب القوى السياسية الى عشيرة المقداد وغيرها من عشائر البقاع، رد مراراً على أسئلة الصحافيين بأنه سمع بما يسألونه عنه في وسائل الاعلام كأي فرد من أفراد الشعب.

صحيح أن تدخل الجيش ضد العشائر ضرب من الجنون لأنه سيؤدي الى حمام دم، لكن الأصح أن أي بلد لديه الحد الأدنى من مقومات الدولة، لا يسمح لعصابات ومجموعات قطاع طرق أن تتحول حاكماً فعلياً على الأرض.

وصحيح أن عشيرة المقداد لا ترتبط بعلاقات ودية مع "حزب الله" في الإجمال، إلا أنها لم تكن لتتجرأ على استباحة الأمن في "كل لبنان" لولا حصولها على تغطية ولو غير مباشرة منه، أو بالحد الادنى الاستفادة من وهج سلاحه.

وصحيح أن ما جرى ويجري يضر الحكومة التي يتمسك بها "حزب الله" وحلفاؤه حتى آخر رمق، لكن ثمة آراء وازنة تؤكد أن الازمة العميقة التي يواجهها الحزب (ربما هي الاكبر والاخطر منذ تأسيسه العام 1982)، دفعته إلى لعب ورقة العشائر لفرض نوع من "التوازن بين الساحات" وإبعاد سلاحه عن هذه المعادلة.

والمقصود هنا بـ"توازن الساحات" هو الرد على مقولة "الضاحية الشمالية" مقابل الضاحية الجنوبية التي ترددت مراراً بعد ظهور جماعات مسلحة كبيرة في طرابلس وعكار شمال لبنان خلال الشهرين الماضيين، على خلفية مقتل الشيخين عند حاجز للجيش واعتقال احد الاسلاميين بطريقة مهينة من مكتب الوزير محمد الصفدي في طرابلس.

يؤكد عارفون ان "حزب الله" وجد نفسه في مأزق أمام معادلة سلاح الشمال مقابل سلاحه، فدفع العشائر الى الارض ضمن خطة محبوكة، لفرض معادلة "ضبضبة" (ضبط وليس سحب) سلاح العشائر مقابل "ضبضبة" سلاح الشمال.

لكن ما هو أخطر من ذلك هو ان الاجواء التي تسيطر على لبنان حالياً شبيهة بتلك التي كانت مسيطرة قبل اندلاع الحرب الاهلية العام 1975. فالدولة غائبة والحكومة عاجزة والاجهزة الامنية ضعيفة والجيش لا يتمتع بغطاء سياسي للتدخل.

كل ذلك يتوافق مع وصول الاحتقان الطائفي والمذهبي حدوداً غير مسبوقة, الأمر الذي يثير مخاوف من فتنة كبيرة يكفي لإشعالها أي حادث طائفي أو مذهبي مهما كان صغيراً.

أمام هذا الواقع لا يبقى امام الحكومة ووزير داخليتها إلا لعب دور "أبوملحم" حتى إشعار آخر، فيما باتت الدولة المخطوفة فعليا "جمهورية موز" شبيهة بالصومال وأمثاله، بعدما أخذت عشيرة المقداد وأمثالها في لبنان دور حركة "الشباب" في الصومال، من خلال سطوة المسلحين وظهورهم العلني الوقح في الشوارع، وإن كانت الأولى تضم أجنحة متعددة ومتحدثين باسمها ومفاوضين, فيما الثانية تسيطر على الارض بشكل أكبر وتفعل أكثر مما تتكلم، وغير معلوم أن لها أجنحة عدة.

المصدر:
السياسة الكويتية

خبر عاجل