كتبت دنيز عطالله حداد في صحيفة "السفير":
يصعب على قوى «14 آذار» ان تقتنع بأن «الجناح العسكري» لـ«آل المقداد» تحرك من دون غطاء سياسي أوسع من عباءته العشائرية. الاتهام المباشر هو للنظام السوري وأدواته.. والنقاش يتمحور حول مدى تورط «حزب الله» في تغطية هذا التحرك أو أقله في غض الطرف عنه.
تجزم «14 آذار» بأن «إرادة النظام السوري في تفجير الاوضاع في لبنان واضحة ولا تحتاج الى دلائل أكثر». يضيف مسؤول حزبي «منذ محاولات الاغتيال التي طاولت شخصيات في «14 آذار»، الى التحذيرات الجدية لشخصيات اخرى ومن مصادر متعددة، الى فضيحة ميشال سماحة ـ علي المملوك وصولا الى قضية الخطف وبدع المجالس العسكرية العائلية، تظهر جليا رغبة النظام السوري في نقل الازمة السورية الى الداخل اللبناني». ويشير الى أن القرار «اتخذ بزعزعة استقرار لبنان وتحويله الى ساحة وورقة ضغط. لذا يلعب النظام السوري كل أوراقه. وهو لن يألو جهدا في البحث عن سبل لزعزعة استقرار البلد وجره الى الفتنة ان لم يكن الفتن المتعددة الاوجه».
النقاش داخل «14 آذار» يطرح أسئلة «حزب الله» ودوره ومصلحته. بعض الاوساط تميل الى اعتبار انه ليس لـ«حزب الله» مصلحة في تفجير البلد. سينتهي خاسرا دراماتيكياً. ربما ليس صعبا عليه ان يبسط نفوذه العسكري. ولكن ماذا بعد؟ ألا يكفي الحال الذي أوصل الطائفة الشيعية اليه؟ لقد وضعها في مواجهة، أقله، أكثر من نصف الشعب اللبناني والشعب السوري وفي مواجهة غالبية العرب، ناهيك عن الغرب ودوله. فهل هذا ما يطمح الحزب اليه؟ أي مصلحة له اليوم، وهو الذي قام بدور النظام السوري في لبنان في إدارة البلد منذ 2005، في جر البلد الى الفتنة؟».
يخلص هؤلاء الى ان «حزب الله» «يحاول إمساك العصا من وسطها فلا يعارض النظام السوري ولا يجاريه في الداخل اللبناني، ويكتفي بالدعم الخطابي والتأييد اللفظي تمريرا لهذه المرحلة».
أوساط اخرى في «14 آذار» تحمّل «حزب الله» كامل المسؤولية عن تردي الاحوال اللبنانية وفلتانها. يقول نائب بارز «تكاد لا تسقط شعرة من رؤوس اللبنانيين إلا بعلم ومعرفة وتغطية من «حزب الله». فكيف بحريتهم وأرواحهم واستقرارهم؟ وأية بدعة هذه ان تتذكر العشائر أجنحتها العسكرية فتخطف العشرات تحت نظر الحزب وفي مناطق نفوذه المباشرة؟».
تضع هذه الاوساط الآذارية «كل العمليات العشائرية التي حصلت في الايام الماضية في إطار الرسائل السياسية التي أراد الحزب توجيهها الى من يعنيهم الامر في الداخل والخارج، ومفادها ان استقرار البلد مرتبط بإرادته. والعنوان البريدي المضمون، يبدأ برئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة وصولا الى النائب وليد جنبلاط. «فمواقف هذا «الثلاثي الوسطي» عبرت عن تناقض واضح مع خطاب الحزب وسلوكه. ففي كلمته في عيد الجيش، أسقط رئيس الجمهورية مقولة الشعب والجيش والمقاومة وحصر السلاح واستخدامه بيد الدولة الشرعية. وقد جاءت تهنئته لاحقا لـ«فرع المعلومات» لتزيد من امتعاض الحزب».
ينسحب الأمر على موقف رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، سواء في دعم «فرع المعلومات» أو في «انفتاحه» على حكومة تراعي اللحظة السياسية وتوازناتها وضروراتها… وصولا الى مغادرته النأي بالنفس وتصويته في قمة مكة لمصلحة تعليق عضوية سوريا في منظمة التعاون الاسلامي.
تضيف الأوساط الآذارية ان انزعاج «حزب الله» يسري ايضا على مواقف جنبلاط، ذلك أنه بعد هجوم الأخير المتصاعد على النظام السوري، بدأ في الآونة الأخيرة ينتقد الطموحات والمشاريع الايرانية وصولا الى تحذيره من فوز «8 آذار» في الانتخابات الينابية المقبلة». تستدرك الأوساط ذاتها بالقول «إزاء كل هذه التطورات، ومع ازدياد أزمة النظام في سوريا شعر «حزب الله» بأن الخناق يشتد حوله فاختار، وفق سلوكه المعهود، اعتماد الهجوم كخير وسيلة للدفاع. لكن فاته ان هذا التكتيك لا يصلح في كل المعارك وفي كل زمان ومكان».
بين وجهتي النظر المذكورتين داخل الصف «الآذاري» الواحد في تحميل النظام السوري ومخابراته مسؤولية عمليات الخطف والفلتان الامني في لبنان، أو تحميلها لـ«حزب الله»، يتفق هؤلاء على أن «كسر هذه الحلقة لا يمكن ان يتم إلا بإرادة الحزب ومبادرته». يقول أحد أركان «14 آذار» ان البلد في خطر جدي ومفتاح الحل في يد «حزب الله». عليه ان يقوم بمبادرة جريئة وان يتخذ موقفا تاريخيا شجاعا فيحد من خسارتنا جميعا. وهذا لا يتم إلا عبر مبادرة إنقاذية».
وهل الترجمة العملية لهذه المبادرة تعني تسليم «حزب الله» سلاحه؟ يرفض المصدر هذه المقاربة ويشدد على ان «الحزب أقام حاجزا نفسيا بينه وبين سائر اللبنانيين. رسم صورة لنفسه ولطائفته وحصرها في مكان أقرب الى الانعزال معطوفا على فائض قوة. وهذه خلطة سبق ان فجرت طوائف وبلدا. ولا بد للحزب من أن يجد وسيلة لكسر الحاجز النفسي اولا مع اللبنانيين، وحتى قبل أن نباشر مناقشة مشكلة سلاحه. هذا الوضع لا يمكن ان يتحمله البلد أكثر، خصوصا ان ما تبقى من شكل الدولة يتهالك ويتهاوى، فإما يغلب الحزب لبنانيته ومصالح طائفته وينحاز للبنانيته وإما سيدفع هو والطائفة الشيعية ومعه كل البلد أثمانا باهظة لا قدرة لنا جميعا على تحملها».