ليس في لبنان إلا الهراء يستشري على وقع النار السورية، فمع هذه الحكومة وهذا الطقم السياسي المتناحر يستمر اجترار البيانات السياسية التافهة في حين تنزلق البلاد الى الجحيم الذي بالكاد خرجنا منه بعد عقدين من الحروب وأكثر من مئة ألف قتيل. في هذا السياق يكفي ان نقرأ الإعلان عن تشكيل خلايا وزارية لمعالجة الأزمة وقضايا المخطوفين، لكي نعرف ان المشاكل الساخنة لن يحلها الكلام الهراء والسياسات الهراء.
فلقد كان كافياً ان يسمع الناس نجيب ميقاتي واقفاً يصطنع ابتسامات بلا معنى وسط حصار الاسئلة والصحافيين، ولا يتردد لحظة في اعلان افلاسه وافلاس الحكومة والدولة والمؤسسات والشخصيات من خلال وضعه البلاد أمام خيارين أحلاهما مرّ أي:
"إما الأمن بالتراضي وإما سفك الدماء"(!) ولكأننا في غابة ليس فيها هيبة او قانون او منطق او رجال يعرفون فعلاً كيف بالاقناع يجعلون من الامن مطلباً وطنياً اجماعياً يوقف إنحدار الجميع الى جحيم الحرب الاهلية، التي لن توقف النار السورية كما يتوهم الواهمون، بل ستؤمن على الاقل دخاناً يغطيها ويحيي كلام بشار الاسد عن ان سقوط نظامه سيشعل المنطقة!
ان الدولة التي يبشّر رئيس حكومتها من دون ان يتلعثم او يتصبب عرقاً بأن الأمن فيها بالتراضي، ليست دولة بل هراء دولة او حطام دولة، وخصوصاً ان ميقاتي يملك شفتين رقيقتين لا تكفيان لتقبيل كل الوجوه والذقون في سياق حفلة عارمة للتراضي الوطني المنشود، بما يقنع المواطن السعيد بأن يجرؤ ويطلّ من النوافذ أو من الملاجئ التي يعاد تجهيزها الآن بعد كل ما جرى ويجري من الناقورة الى النهر الكبير من قطع للطرق واستعراض للسلاح ودوس لهيبة الدولة بالأرجل.
الأمن بالتراضي يا دولة الرئيس؟
ولكن مَن يُرضي مَن في هذه الغابة، وكيف يمكن الحديث عن التراضي في وقت باتت حكاية الحوار الوطني مجرد إبريق للزيت، يقفز من "الاستراتيجيا الدفاعية" ودور الدولة الحصري في مواجهة العدو الاسرائيلي الى ما سمّي ويا للغرابة "الاستراتيجيا الامنية"، أي دور القوى العسكرية في ضبط الأمن ومنع الفلتان، إلا اذا كان المطلوب ضمناً تعميم "ثقافة" التراضي ليقوم العسكريون بحملة تمشيط وطنية شاملة لتقبيل الذقون والوجوه!
عن أي أمن بالتراضي تتحدث حكومة المسخرة وبلسان رئيسها ونحن في بلد العجائب، بعدما أفسد سياسيو الرخص وسياسات الانقسام مفهوم وحدانية الأمن في محاولاتهم الغبية توظيف الأمن في خدمة السياسة لا الوطن فصار يقال ان لكل طائفة ومذهب جهازه الأمني، وهنا نحن نصل الى معادلة الشظايا المتناثرة عندما يصبح لكل عائلة مجلس أمني وذراع عسكرية!