Site icon Lebanese Forces Official Website

ليلة القبض على رجل ميت!

كان ميشال سماحة يغط في نوم عميق هادئ صاف عندما دهمه فرع المعلومات؛ استمهلهم ليأخذ "أدويته" معه. عندما تابعت هذه البدايات. تساءلت كيف يمكم لإنسان ان يغفو أو يغمض له جفن، وهو يعد مؤامرة دموية، وفتنة وحروباً، تصيب "أهله". كيف تطبق أجفانه وسيارته محملة بالمتفجرات اللاصقة وغير اللاصقة التي كان يزمع اغتيال شخصيات لبنانية أو جماعات من سكان عكار الآمنين وسواهم. مجازر على شاشات عينيه المسبلتين كعيني الطفل البريء مجازر أحلامه. مجازر جسمه. رحت اتساءل: إلى أي مدى يمكن أن تصل لا إنسانية الإنسان. وحشيته؟ إلى أي قاع يمكن أن يصل الشر في نفس إنسان. اتساءل: بم جبل أمثال ميشال سماحة. بالحديد. بالصواعق. بالإسمنت. كيف يموت كل شيء في نفس انسان ليسمح لنفسه حتى بالتفكير في مثل هذه الارتكابات؟ ميشال سماحة "مجنزرة من المخابرات" نعم! لهذا هو رجل ميت. الموتى في عقولهم، وفي أجسامهم وفي ضمائرهم قادرون وحدهم على تنفيذ مثل هذه العمليات وبمن: بأهلهم. بمواطنيهم. وخدمة لمن: للخارج. وأي خارج. لنظام لا انساني. يتداعى امام الثوار السوريين… فكأن القوى الأمنية قبضت على شخص ميت أصلاً. جثة تفوح بالموت والموتى لم يعد لها اسم. ولا تاريخ. ولا مكان. ولا شكل. ذلك أن المجرمين أمثال رجال الطغاة، وسماحة ومن لف لفهم، لا أوطان لهم، ولا أرض. ولا ناس. ولا طفولة. ولا ذكريات: العدم المطلق لا يُنتج سوى العدم المطلق.

أعرف ميشال سماحة من السبعينات. أيام الحركة الطالبية، والتظاهرات. عندما كان مسؤولاً عن مصلحة الطلاب في حزب الكتائب. منذ ذلك الحين أزعم انني تابعته جيداً. من بعيد. ومع الزمن. ومن خلال تقلباته بين الأنظمة والحركات والمخابرات، عرفت انه يتطور في مسيرته السياسية من أسوأ إلى أسوأ: من علاقة بإسرائيل إلى علاقة بالفرنسيين، فإلى إزدواجية مع بعض التنظيمات الفلسطينية، فإلى سوريا، بعدما تأكد له ولسواه بأنه رجل مخابرات بامتياز! كائن مخابراتي! أو بالأحرى اداة مخابراتية انطفأ فيها كل شيء. سوى مطامع صغيرة، وطموحات بخسة. وزارة من هنا، نيابة من هناك، وظيفة هنالك… خدمة لمرجعية… أو ارتهان لجهة. وهنا اكتشفت "خطره". فهؤلاء الناس، هذه الأجهزة، القطع الصلبة، الإسمنتية، ومع احتكاكه بأنظمة والارهاب والقتل يكتسبون مهارات "ابداعية" تمكنهم من التفوق على أنفسهم، بعد كل عملية وبعد كل تجاوز، وبعد كل عملية غدر، يرتكبونها، ولهذا يكتسبون "مواقع" لأنهم باتوا أهل ثقة عند أربابهم. أياً كانوا والثقة تعني انهم يتقيدون بالتنفيذ. وانهم على جانب كبير من "الإخلاص" لمن يوظفهم أو بالأحرى يستعبدهم، وحتى الشغف، للقيام بالمهمات القذرة. فالقذرون يثقون "باخلاص" القذرين، ويرتاحون إلى "وفائهم" عندما يبدون استعداداً دائماً، وشغوفاً، لفعل أي شيء،: القتل . التآمر. التواطؤ. المجازر. الكذب. الخيانة. فأهل الخيانة هم أهل ثقة بعبيدهم، وميشال سماحة من هؤلاء. يتفوق على نفسه كل يوم في هذه المجالات. فهو يتمتع بمواصفات "العميل" كلها. "العميل" النقي. الصافي. غير المغشوش. بل تصبح "العمالة" عنده "طريقة حياة" وطريقة كلام، وملبس. ومشرب . ونظر وبصر. ونوم. وحلم. وأظن أنه ينتمي إلى نوع العميل "الكامل الأوصاف" ينام كالعميل الكامل الأوصاف، نوماً هنيئاً لا يكدره اسف، بعد جريمة، ولا تردد قبل مجزرة. بل كأن للعملاء اطلالة خاصة على الشاشات وفي الشوارع. تذكروا فايز كرم عندما راح يتهم 14 آذار بالعمالة لإسرائيل بفرح، وراحة ضمير. وجزالة تعبير. ونبرة تتدفق منها "العفوية" و"الشفافية" و"حب الوطن" وتذكروا هؤلاء "المخبرين" الصغار من مثقفين واشباه مثقفين واشباه إعلاميين، كيف يُطلون على الناس، وهم يستظهرون ما أملته عليهم المخابرات… بفخر وثقة وأمان و"بجرأة" لأن "القتلة" في جانبهم وليسوا في جانب من يهاجمون.

ميشال سماحة "أكبر" وأشد مراساً، باعتباره كان ولا يزال من المقربين من "الطغاة" والأجهزة ومراكز الكبار. فهو مدلل وصاحب "المهمات" الجسام التي لا يتولاها سوى "ذوي" العلاقات الرفيعة. ميشال سماحة اختار أخيراً الارتباط بالنظام السوري. مضموناًَ. وشكلاً وأجهزة وسياسة. وقد شهدنا فصولاً له منذ أيام الرئيس الشهيد رفيق الحريري عندما أوكلت إليه مهمة التصدي له، خصوصاً عندما كان وزيراً للاعلام في حكومة هذا الأخير. وضعه السوريون، "رابوقاً" ومخبراً وحاملاً مواقفهم وضارباً بسيفهم. ونتذكر ملاحمه في هذا الاطار من عمليات تشويه وتسفيه وترهيب وبث اشاعات وتنظيم حملات اعلامية حتى من تلفزيون الدولة (تلفزيون لبنان) لإضعاف الرئيس الحريري وضرب مشاريعه العمرانية، وتشويه انجازاته والصاق التهم به. وقد استمر في لعب هذا الدور حتى بعد استشهاد الحريري، مشاركاً في أعمال التضليل، والتخريب، وقلب الحقائق، مع حلفائه من أمثال كثيرين. وكلنا يذكر مسلسل صرف الأنظار عن المشتبه فيهم في اغتيال الحريري وكلنا يذكر الحملة المبرمجة التي اشترك فيها سواء في اتهام المحكمة الدولية بالتسيس ام بارتباطها باسرائيل، او توجيه الأصابع إلى العدو. وسماحة وربعه من المخبرين، كانوا يتهمون 14 آذار بالعمالة لإسرائيل وعندما يستشهد هؤلاء يتهمون اسرائيل بقتلهم بهدف إثارة الفتنة. رائع! يا أبو الميش فسماحة وسواه من المخبرين الصغار والكبار لنظام الأسد رفعوا شماعة "إسرائيل" لتغطية القتلة الحقيقيين. أو وجهوا الأنظار إلى بعض "السّنّة" كأبو عدس، والحجاج الإستراليين. معركة إعلامية دعائية مبتذلة. وميشال نفسه (صاحب تسريبات ديرشبيغال) وسواه من مرتزقة إيران وسوريا، وبعدما اندلعت ثورة الشعب السوري المجيدة، وضعوا اسرائيل جانباً. (حيدّوها) وركزوا على السلفيين الذين وصموهم بالارهاب، وحملوهم تبعات المجازر في سوريا… وصوروهم "الأكثرية" أو المجموهات الإرهابية "السنية" التي ستبتلع الأقليات الدينية وغير الدينية. واختاروا عكار وطرابلس وبيروت وسواهما كهدف لهم. فهؤلاء السلفيون كما يشيع هؤلاء المخبرون يستعدون لعمليات إرهابية واغتيالات، وفتن مذهبية أكثر: اتهموا حتى تيار المستقبل بالأصولية، وباحتضان هؤلاء وتهريب السلاح إلى الثوار والتحضير لاشعال حروب طائفية في عكار وسواها بين المسيحيين والمسلمين وتالياً بين السنة والشيعة وصولاً إلى طرابلس…

ميشال سماحة وعلى امتداد الأشهر الماضية ركز بشكل أساسي في مقابلاته الإعلامية على "القاعدة" التي قال إنها تتغلغل في طرابلس وفي عكار.. وكان يبشرنا كل يوم بالمجازر المتوقعه. بل جعل كل السُّنة في لبنان "قاعدة" أو أصوليين أو ارهابيين.. امتداداً إلى سوريا! لكن المتابعين لهذه "الوقائع" المخابراتية المعلنة، كانوا يشتمّون من وراء ذلك الكلام تحضيراً لفتنة تبدأ بعكار وبالاغتيالات الفردية والجماعية يرتكبها هؤلاء أو تلصق بالسنة وتعم ما تعم من المناطق: حرب أهلية جديدة أين منها حرب "بوسطة" عين الرمانة والسبت الأسود، والجبل وبيروت.. تهويل غريب لكن يخفي مؤامرة يحولها النظام السوري ويبدو ان حزب الله وسواه من بعض 8 آذار لم يجاروا النظام الأسدي كما هو مطلوب منهم. فاختير ميشال سماحة من قائد سياسي إلى ناقل متفجرات ليكون بوسطة عكار 2012. للمزج بين ما يجري في سوريا وما قد يجري في لبنان: معركة ضد "الارهاب" في كلا البلدين، فيصبح لبنان. (كما كان) ورقة يتفاوض بها النظام المنهار على بقائه! فالبوسطة، ميشال سماحة، الذي مهّد بشكل غبي، (ولا تظنوا ان هذا الرجل على درجة عالية من الذكاء. فأنا أعرفه جيداً. فهو يعوض عن ذكائه المحدود بالاختلاق. أعرفه جيداً منذ 40 عاماً). لكن المخطط المرسوم كان أخطر مما تصورنا. تفوق ميشال سماحة على قدراته. وعلى ملكاته وعلى طاعته العمياء لنظام البعث. وتحمل مسؤوليات لا يتحملها سوى القتلة الكبار، وأصحاب المخططات الخطيرة. هذا ما ظهر بعد القبض عليه واجهاض خرائط طريق المؤامرة، وما اعترف به حتى هال الرئيس سليمان ما اطلع عليه، شيء مرعب، تشمئز منه القلوب، وتقشعّر له الأبدان. خطة "دنيئة" مؤامرة في مستوى خيانة عظمى. جرائم في مستوى جرائم حرب. هل كان يسعى سماحة إلى اغتيال البطريرك الراعي؟ ومن كان على لائحته السوداء من الشخصيات المرشحة للاغتيالات. بالطبع سبق هذه الخطط الإجرامية التي رسمها النظام السوري محاولتا اغتيال فاشلتان لبطرس حرب وسمير جعجع. (ويومها سخر سماحة من هذه التهم! واعتبرها فبركة أو دعاية انتخابية أو ليس الاسلوب ذاته اتبع بعد اغتيال الحريري وشهداء 14 آذار: فهل كان مشاركاً في المسؤولية، هذا ما ينتظر الناس ان يعرفوه. انكشف ابو الميش، وبدا بعد انكشافه مجرد "مخيبر" بلا رتب عالية، والدليل انه قبل ان ينقل المتفجرات اللاصقة وسواها في سيارته ويسلمها الى من سيقوم بتنفيذ الجرائم. وضّبها له علي المملوك وضابط يدعى عدنان… حملها ميشال سماحة ليقتل بها أهله. أإلى هذا الحد انحدرت رتبتك عند النظام السوري: من عملاق إعلامي إلى ناقل متفجرات؟ ويشعل فتنة مذهبية. ويدمر البلد. حملها بكل "عنفوان" و"اباء" و"شرف" و"كرامة" وانسانية ووطنية ليقتل بها اناساً من عكار، وسواها، هؤلاء الفقراء والمعوزين والمحرومين والمقهورين من مسيحيين ومسلمين، اراد ان يزيد من تعتيرهم بخلق فتنة على ارضهم! حمل دماء هؤلاء في عينه وهو يستقل السيارة. حمل دماءهم في عنقه الغليطة في يديه المضرجتين! لكن "المعجزة" اجترحت. وبطلها في البداية ميلاد كفوري. هذا المواطن الصالح الذي خان عهود "الأشرار" هذا الذي استيقظ ضميره. فقصد المسؤولين الأمنيين. وسلمهم "مفاتيح" المؤامرة ووقائعها بالصوت والصورة. بصوت سماحة وبصورته. سلم الـ 170 ألف دولار التي كان يجب ان توزع على المرتزقة ليحققوا انجاز سماحة "العروبي" و"الممانع". كفوري هذا "البطل الهامشي" هذا "الجندي المجهول" ، طلب الحماية وعائلته فمنحت له، والآن، يبدو انه في مكان ما بعيداً عن متناول "الميشالات" "السماحات" الآخرين من ملائكة الموظفين والأمن العام حماة الوطن! فالمدافعون عن هذا المعترف بجريمته، يبحثون عن كفوري. يبحثون عنه "ليسكتوه على طريقتهم المعهودة ويعملوا على التضليل والتعمية واخذ التحقيق إلى أمكنة أخرى. فالمدافعون عن سماحة هم إلى حد ما أنفسهم الذين حاولوا تشويه الحقيقة وتمويه "الفَعَلة" في اغتيال الشهيد الحريري وشهداء 14 آذار. الأصوات بالرنين ذاته. بالجعير ذاته. بالوقاحة ذاتها. بالأكاذيب ذاتها بالعمالة ذاتها. ولكن، كما فشلوا في تخريب المحكمة الدولية، وتشويه سمعتها وتعطيل أدائها فها هم في طريق فشل جديد. انهم "المرتزقة" وعبيد المخبرين، والبلطجية، غربان الخراب. كل ديدبانهم الانحياز إلى كل ما من شأنه ان يدمر هذا البلد. (وكأنهم ليسوا من أبنائه) والدولة. والسيادة. والديموقراطية. والعدالة. كفوري، أنظنه في مأمن من عيون هؤلاء ومن عسس النظام السوري، وشبيحته.. ميشال سماحة أكنت وحدك في السيارة في عودتك من دمشق محملاً "بالهدايا" الدموية لأهلك. ولأطفال وطنك، وناسك. اكنت وحدك. وإذا لم تكن وحدك. فمن كان معك؟ ميشال سماحة آخر؟ او قرين من أقران علي مملوك وارث من ميراث رستم غزالة. فيا ميشال، حسناً فعلوا "بالتخلي عنك" حلفاؤك اذكى منك. وأكثر واقعية. وقبولاً بالحقائق التي اعترفت بها صوتاً وصورة، والتي باتت دامغة ومدموغة. فهؤلاء لا يريدون ان يراهنوا على "رجل" سقط وكأنهم افادوا من تجاربهم السابقة. الجنرال ترك المسألة للقضاء. وهذا مهم. وكثير التزموا الصمت. والأكثر "دانوا" الشكليات المتعلقة بالمداهمة فانت اليوم "الشاويش لير" أو "المخبر لير" الذي وجد نفسه وحيداً في مونولوغات النهاية والسؤال: من يرثك يا ميشال" من يرث "دورك"؟ واي ميشال آخر "سيجدد" مهمتك؟ ويقبل استعدادك لفعل اي شيء. خدمة للخارج وايا تكن الخسائر المترتبة على ذلك بحق أهلك وبلدك. أنت اليوم، خلف القضبان. خلف الجدران. تنتطر ما تنتطر من استجواب ونتائج وأحكام… لكن أياً تكن المحصلة، واياً تكن "انواع" التخفيف، و"الرأفة" والرحمة… والظروف فأنت بت خارج الموضوع. لأنك لم تعد تحتاج حتى إلى "حكم" عادل بادانتك لكي يتكرس سقوطك، فقد سقطت.. أخيراً قعر الهاوية. انه سقوط رجل ميت!

وأخيراً: وأنا اتذكر أيام الجامعة يا ميشال أحزن وآسف، عندما كنا ذات يوم، نعيش أحلاماً أخرى! فما الذي فعل بك كل ذلك يا ميشال. ومن صنع لك هذا السقوط المدوي وهذه النهاية التراجيدية؟

Exit mobile version