#dfp #adsense

“حزب الله” يتعرض لتهديدات سورية بتفكيك عصبه الشعبي والعسكري

حجم الخط

كتب نوفل ضو في "الجريدة" الكويتية.

انشغلت القيادات السياسية اللبنانية بمحاولة معرفة الخلفيات والظروف التي تقف وراء الفوضى الأمنية التي شهدها لبنان خلال اليومين الماضيين من خلال عمليات الخطف والتهديدات التي استهدفت رعايا سوريين وعرباً وأتراكاً، وعمليات قطع الطرقات على يد جهات أطلقت على نفسها "الجناح المسلح لآل المقداد" بحجة خطف شخص من العائلة على يد "الجيش السوري الحر" في سوريا، علما بأن مصير المواطنين اللبنانيين الـ11 الذين سبق أن خطفوا قبل أسابيع في سوريا لايزال غير واضح، في ظل المعلومات المتضاربة عن مصيرهم بعد استهداف بلدة "أعزاز" التي كانوا محتجزين فيها قرب الحدود التركية – السورية لغارة جوية من الطيران الحربي السوري.

الانطباع الأول الذي تكوّن لدى المراقبين أشار إلى "حزب الله" بالوقوف وراء هذا التحرك لاعتبارات عدة، أبرزها أن عائلة المقداد هي واحدة من أكبر العائلات الشيعية، وأن القدرة العسكرية والأمنية وحرية الحركة التي تمتع بها القائمون بأعمال الخطف وقطع الطرقات في المناطق الخاضعة تقليدياً لنفوذ “حزب الله” ورقابته في الضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع. وقد تعزز هذا الانطباع من خلال الصمت المطبق لـ"حزب الله" سياسياً، والغياب الكامل لعناصر "الانضباط" التابعين للحزب الذين كانوا يرافقون أي تحرك شعبي على الأرض بهدف ضبطه ولجمه، واللغة الإعلامية والتعبيرات التي استخدمها الناطقون باسم آل المقداد كـ"الصيد الثمين"، و"بنك الأهداف"، و"الجيش السوري الحر أوهن من بيت العنكبوت" و"عمليات الرصد"، وغيرها من العبارات التي ترافق الخطاب "التعبوي- الحربي" لـ"حزب الله عموما والسيد حسن نصرالله خصوصاً.

لكن المراقبين سرعان ما طرحوا فرضية أخرى يوم أول من أمس الخميس في ظل مستجدات عدة:

1- قيام الطيران الحربي السوري بقصف بلدة "أعزاز" على الحدود التركية، حيث يحتجز اللبنانيون الـ11 المحسوبون على بيئة "حزب الله" السياسية والحزبية، وهو قصف من شأنه إحراج الحزب تجاه جمهوره، خصوصاً في ظل المعلومات المتضاربة عن مصير المخطوفين الذين قيل أن بعضهم قتل والآخرون جرحوا في القصف الذين نفذه النظام. ورأى البعض أن الغارة السورية هي رسالة من النظام السوري إلى "حزب الله"، الذي يبدو أنه يحاول تمييز نفسه في الحركة الميدانية داخل لبنان عن الرغبة السورية في تفجير الوضع. واعتبر أصحاب وجهة النظر هذه أن الغارة السورية التي لم يعلق عليها أي من مسؤولي "حزب الله" بأي موقف جاءت رداً على تحفظات الحزب على طلبات سورية أمنية تتعلق بتفجير الوضع اللبناني، مما دفع بسوريا إلى تكليف الوزير والنائب السابق ميشال سماحة بهذه التفجيرات، علماً بأن "حزب الله" لم يبادر إلى خوض معركة الدفاع عن سماحة بعد وقوعه في قبضة الأجهزة الأمنية والقضائية اللبنانية، مما زاد من نقمة النظام السوري عليه.

2- الصدام الذي شهده مقرّ آل المقداد في الضاحية الجنوبية بين وجهاء من العائلة ونائب "حزب الله" علي المقداد، على خلفية إبلاغ الحزب للعائلة رفضه المضي قدماً في عمليات الخطف وتوسيعها لتشمل الرعايا الخليجيين والأتراك. وقد جاءت ردة فعل بعض أبناء العائلة عنيفة في رفض الخضوع لقرارات "حزب الله" والالتزام بها على خلفية اتهامه بعدم القيام بما يجب لاسترداد المخطوفين في سوريا. وبرزت وجهة نظر حيال هذه الواقعة تحدث فيها بعض المراقبين عن رسالة سورية ثانية إلى "حزب الله" تمثلت في اختراق المخابرات السورية لعائلة آل المقداد وتحريك بعض الفاعلين فيها والناشطين مباشرة على خط إحداث البلبلة في لبنان، بعدما بدا أن الحزب يرفض القيام بما قام به آل المقداد من عمليات تزعزع الاستقرار في لبنان تحت عنوان المطالبة باستعادة اللبنانيين الأحد عشر الذين خطفوا في سوريا قبل أسابيع.

3- جاءت مقاطعة الرئيس نبيه بري والنائب سليمان فرنجية لطاولة الحوار التي دعا إليها رئيس الجمهورية في بيت الدين يوم الخميس الماضي، في وقت شارك رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد في الاجتماع بمنزلة دعم لرأي القائلين بوجود تمايز بين سوريا و"حزب الله" حيال طريقة التعاطي مع الوضع اللبناني. واعتبر أصحاب هذا الرأي أن سوريا أوعزت إلى حليفيها الرئيس بري والنائب فرنجية بمقاطعة الحوار، في وقت شارك "حزب الله" على خلفية السعي إلى لملمة الوضع الأمني الداخلي من منطلق رفضه السير بالخطة السورية لتفجير الوضع خلافاً لمصالح "حزب الله" في الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الذي يسمح له باستكمال قضم التركيبة السياسية والإدارية اللبنانية بهدوء تحسباً لسقوط النظام السوري.

ويرى بعض المراقبين في ضوء هذه القراءة أن النظام السوري الذي يتفكك يوماً بعد يوماً، يريد من "حزب الله" أن يذهب بعيداً في دعمه من خلال تبني وجهة نظره القائلة إن انفجار الوضع في سوريا سيؤدي إلى انفجار المنطقة بأسرها. في وقت يعمل "حزب الله" على "النأي بنفسه" ومحاولة فك ارتباط مصيره ومستقبله عن مصير النظام في سوريا ومستقبله، فالحزب يريد للنظام أن يبقى، ولكنه إذا رأى أن النظام في سوريا آيل إلى السقوط فلن يكون في وارد السقوط معه. وهو ما رد عليه الجانب السوري باختراق بعض العشائر الشيعية الكبيرة كآل جعفر في الهرمل على تخوم سوريا الذين دخلوا الأسبوع الماضي في مواجهة عسكرية مع أبناء جبل أكروم السنة في عكار، وآل المقداد الذين خرجوا عن طاعة "حزب الله" بحجة المطالبة باستعادة أحد أبنائهم المخطوف في سوريا.

وفي قراءة المراقبين أن النظام السوري يبعث برسالة إلى "حزب الله" فحواها ان تفكك النظام في سوريا من دون مبادرة "حزب الله" إلى إشعال الوضع في لبنان، سيدفع بسوريا إلى استخدام أوراقها الأمنية لفرط تركيبة "حزب الله"، الذي طالما تغنى بأنه تمكّن من جمع العشائر والعائلات والمناطق وصهر تمايزاتها وصراعاتها في ما بات الحزب يسميه "جمهور حزب الله". فبروز حركة عائلية أمنية وعسكرية ومرجعية عائلية عشائرية سيدفع ببقية العائلات والعشائر إلى التصرف بالمثل على قاعدة حفظ خصوصياتها، وهو ما يعني عملياً تفكيك عصب "حزب الله" وتشتيت قوته وخلق صراعات في بيئته تجعله في مواجهات شبيهة بالمواجهات التي يعيشها النظام في سوريا، الذي يبدو أنه قرر أن يتعاطى مع "حزب الله" على قاعدة "علي وعلي أعدائي يا رب".

المصدر:
الجريدة الكويتية

خبر عاجل