كتب جليل الهاشم في "المستقبل":
بين صيف العام وصيف العام الحالي كثرت الزيارات الراعوية للبطريرك الماروني بشارة الراعي، ففي الصيف الماضي كان غبطته يجول متفقداً أحوال موارنة الأطراف في المناطق الشيعية، ولاقى استقبالاً وحفاوة بالغة، لم تخف في طيّاتها بعداً سياسياً، أريد منه في حينه الإشارة إلى أن موقع الصرح البطريركي انتقل من ضفة إلى أخرى، وما يحمله الراعي يخالف، ما كان أدمن على ترداده لسنوات سلفه البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير.
وفي الصيف الحالي، جال البطريرك مار بشارة بطرس الراعي في مناطق ذات غالبية سنّية في عكار متفقداً أحوال موارنة الأطراف وأيضاً استقبل البطريرك بحفاوة لم تقل عن تلك التي تم استقباله بها في المناطق الشيعية، وإن باختلاف الظروف السياسية التي رافقت الزيارتين.
مصادر شمالية عزت التبدل في المشهد المناطقي إلى تبدل في المناخ العام في البلد، مشيرة الى أن زيارة البطريرك الراعي إلى عكار تكتسب أمية رمزية، شكلاً ومضموناً، ومن حيث التوقيت.
فهي أولاً زيارة إلى المنطقة اللبنانية الأكثر تأثراً بالأحداث السورية، والحاضنة تاريخياً للجيش اللبناني ومعقله وخزانه، تزامناً مع إحتضانها مؤخراً لتيارات إسلامية ناشطة في الشمال كما أنها المنطقة التي شهدت في الآونة الأخيرة، توترات وتشنجات متنوعة ذات أبعاد مذهبية وطائفية وخلافه.
ولذلك فإن زيارة البطريرك الراعي إلى عكار أصابت أهداف عدة فهي في جانب منها "تطمينية" لتهدئة روع المسيحيين وإعطائهم دفعاً معنوياً وفي جانب آخر فهي "توضيحية" لما أحاط سابقاً بمواقف اتخذها البطريرك الراعي في شأن الوضع في سوريا والقلق على مصير الأقليات المسيحية وتكرار تجربة العراق.
وتضيف المصادر الشمالية أن الزيارة هي أيضاً في جانب آخر بمثابة تطبيع للعلاقة بين بكركي والشريحة السنية وتنقيتها من الشوائب والالتباسات.
المصادر أضافت أن الحفاوة لتي لقيها البطريرك الراعي في عكار مردها إلى عاملين أساسيين إضافة إلى التقاليد العكارية، الاول، وهو الإيعاز الذي أصدره الرئيس سعد الحريري إلى تيار المستقبل بالمشاركة بكثافة في استقبال البطريرك الماروني الذي كان بادر إلى الاتصال بالحريري وبحث معه موضوع الزيارة. أما العامل الثاني، تضيف المصادر، فهو إكتشاف المخطط التفجيري في عكار والذي اتهم في تدبيره الوزير والنائب السابق ميشال سماحة الى أن تتضح نتيجة التحقيقات الجارية لسماحة. المخطط التفجيري كما أشيع، كان يستهدف زيارة البطريرك، من ضمن استهدافات عدة أخرى، ما أدى الى ما يشبه انتفاضة عكارية في وجه المخططين لتأكيد هوية عكار الوطنية وانتماء أبنائها الى الدولة ومؤسستها، ورفضهم لكل أشكال الفتنة، أياً كان مصدرها.
فقد كان واضحاً أن قضية ميشال سماحة أرخت بظلالها على أجواء الزيارة والكلمات التي ألقيت بما فيها الكلمة المكتوبة التي افتتح بها الراعي زيارته قائلاً: "سيدة الانتقال حمت هذه المنطقة من تفجيرات كانت تهيؤها أيدي الشر والضمائر الميتة".
مصادر كنسية واكبت الزيارة الراعوية تحدثت للمستقبل، فوصفت الزيارة والنتيجة التي أسفرت عنها بـ"الصدمة الإيجابية" التي فتحت نوافذ، كانت مغلقة ومقفلة وخاضعة للتضليل والتكهنات.
وأَضافت المصادر الكنسية ان كلمة أمين عام تيار المستقبل أحمد الحريري، في الإفطار الذي أقيم تكريماً للراعي في عكار، لاقت صدى إيجابياً لدى البطريريك الراعي، الذي قال: "إن كلمة الحريري يؤسس عليها، للمستقبل" وإن الجو الشبابي الانفتاحي، الذي عكسه الحريري في كلمته هو السائد في صفوف الطائفة السنية، وهو الذي لا يختلف مع الآخر، بل على استعداد وجاهزية كاملة لتقبله، وهذا ما يجب التعويل والتأسيس عليه لبناء لبنان الغد".
المصادر الكنسية المواكبة للزيارة، أعربت عن دهشتها من الجو السائد في عكار، لجهة الانفتاح والعيش المشترك، خصوصاً في ظل ما أشيع عن وجود الأصوليات المتشددة، والتي تتخذ من عكار ملاذاً آمناً لها، فوجد البطريرك نفسه بين أهل، تجمعهم لبنانيتهم اولاً وأخيراً، ولا تفرقهم طوائفهم.
الانطباع الذي عاد به غبطته من عكار، عكسته المصادر الكنسية بالقول إن عكار، بما تمثل من خزان بشري للجيش اللبناني ومؤسسات الدولة عامة، تفتقر الى عناية الدولة الإنمائية على المستويات كافة. وتضيف أن بكركي بما عرف عنها من حرص على منطق الدولة ومؤسساتها، سوف تضع عكار في أول سلم الاهتمامات الدينية والوطنية، من أجل النهوض بها، لأن هذا النهوض بعكار، حسب غبطته، يؤدي حكماً الى النهوض بالمؤسسات وخصوصا الجيش.
وتختم المصادر الكنسية أن الزيارة الراعوية لعكار أزالت الكثير من سوء الفهم المتراكم، وإن كان ما كان في السابق مجرّد غمامة صيف افتعلها مغرضون، ولم يتورّعوا عن إصدار بيانات مزوّرة لإفشال الزيارة ومفاعيلها، وهذا ما أدركه الصرح البطريركي بالملموس.