#dfp #adsense

حروب الأسد على لبنان: تجربة فاشلة جديدة

حجم الخط

كتب محمد مشموشي في "المستقبل":

لا تحتاج صورة لبنان اللادولة، لبنان ما قبل الدولة، الغابة، الفوضى شبه الكاملة، الشارع المنفلت،"الخارج عن السيطرة" كما وصف، التي ظهر بها في الأسبوع الماضي، الى شرح كبير لتبيان أسبابها ولا لكشف أسرارها ونتائجها وآثارها على اللبنانيين جميعاً.

فالقصة شديدة البساطة، أقله في توقيتها والعوامل التي أدت اليها فضلاً عن الملابسات السياسية والأمنية والاجتماعية ـ الاقتصادية التي رافقتها على الشكل الآتي:

أولاً، حدث قبل ذلك بأيام أن أعلن فشل الفصل الجديد من محاولات النظام السوري الدائمة (نقل أزمته الى لبنان) عبر مستشاره النائب والوزير الأسبق ميشال سماحة، وإحالة القضية مع اعترافات سماحة والوثائق بالصوت والصورة على القضاء، وظهور نظام الأسد عارياً حتى من ورقة التوت إن في لبنان وسوريا أو في العالمين العربي والخارجي.

خطورة الفشل والافتضاح بالنسبة الى النظام السوري لا تكمن فقط في تعريته لبنانياً وسورياً وعربياً ودولياً، فلم يعد يهمه ذلك في ضوء حرب الإبادة الجماعية التي يشنها على شعبه، وإنما أولاً وقبل ذلك في خروج اللبنانيين منهما أكثر حصانة ضد الانجرار الى حرب أهلية أو مذهبية، وتالياً تهاوي المخطط من أساسه… ومعه نظريات المؤامرة الخارجية والعصابات المسلحة و"القاعدة" و"الجماعات التخريبية" وغيرها التي اختبأ خلفها وما يزال منذ سبعة عشر شهراً تبريراً لعملياته القمعية غير المسبوقة في العالم الحديث للثورة الشعبية ضده.

ثانياً، حدث بعد ذلك بأيام فقط أن أعلن أفراد مجهولون ادعوا أنهم من "جيش سوريا الحر" اختطاف شاب لبناني (حسان المقداد)، واتهموه بأنه عضو في "حزب الله" ويقاتل الى جانب قوات النظام، ليرد على ذلك أقاربه وأفراد عائلته في لبنان باحتجاز بعض السوريين العاملين فيه أو النازحين اليه هرباً من أهوال الحرب في بلدهم، من دون النظر الى سلسلة المواقف والبيانات التي أصدرها قادة ومسؤولون في "جيش سوريا الحر" ونفوا فيها معرفتهم بالخاطفين أو أن يكونوا على علاقة بهم.

ثالثاً، كان الإعلان عن اختطاف المقداد في دمشق يوم الأربعاء في 15 آب الجاري، وجاء الرد من عائلته وأقاربه في لبنان صباح الخميس في 16 منه، لتشن قوات النظام السوري فجأة ومن دون سابق انذار غارة جوية بأطنان من الصواريخ والقنابل (حصيلتها نحو مائة قتيل وأكثر من مائتي جريح) عصر ذلك اليوم على مدينة أعزاز في ريف حلب حيث يتواجد المخطوفون اللبنانيون الـ11 منذ شهور، ثم لتتوارد الأنباء مرة عن مقتلهم جميعاً ومرة أخرى عن نجاة بعضهم، ولينشأ في لبنان ما وصفه الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله بـ"الخروج عن السيطرة" ليس على طريق المطار وفي الضاحية الجنوبية لبيروت فحسب، وإنما في مناطق لبنانية متعددة كذلك.

وللمناسبة، كما صرح مسؤولون في "جيش سوريا الحر"، فمدينة أعزاز التي لا تبعد سوى كيلومترات قليلة عن الحدود السورية مع تركيا، لم تتعرض على امتداد أربعة أو خمسة شهور لأي قصف مدفعي أو جوي من قبل قوات النظام، الى درجة أنها تحولت الى ما يشبه مزاراً للصحافيين اللبنانيين الذين أجروا مقابلات مع المخطوفين الـ11 أكثر من مرة، والتقطوا صوراً وأفلاماً تلفزيونية لهم منفردين أو بشكل جماعي ومع خاطفيهم خلال الأسابيع القليلة الماضية.

هل يقدم هذا التسلسل الزمني للأحداث في بيروت ودمشق وأعزاز والضاحية الجنوبية تفسيراً لأسرار ما تعرض له لبنان، وتالياً ما شهده أهله مأخوذين بوقائعه وتأثيراته واحتمالاته المفتوحة على كل شيء في الأسبوع الماضي؟.

واقع الحال، أن ما وصفه النظام السوري بـ"زلزال مدمر" سيضرب المنطقة كلها في حال سقوطه أو حتى اهتزازه، كان وما يزال (ولن يتوقف!) سياسة هذا النظام الفعلية تجاه لبنان انطلاقاً من واقعين لعب النظام نفسه دوراً كبيراً في رعايتهما: الاستقطاب الطائفي والمذهبي المريع في السياسة والمجتمع اللبنانيين من جهة أولى، وقدرة النظام من جهة ثانية على التلاعب بما خلقه على هامشهما من شلل وأدوات وتنظيمات طيلة الفترة الماضية.

وفي اعتقاد هذا النظام، كما بدا جلياً في الأحداث المفتعلة في طرابلس وبيروت وعكار والبقاع والهرمل، أن نزول فئات من طائفة معينة الى الشارع من شأنه أن يستدعي فئات مقابلة أخرى، وأن الحريق اللبناني في النهاية لا يتطلب أكثر من مثل هذه الشرارة.

وأن تتحدث الأبواق الإعلامية الجاهزة، في سياق ذلك، عن اختطاف زوار عرب وأتراك وأجانب أو حتى تهديدهم بالخطف، وتؤدي العملية في المحصلة الى إقفال المطار وسحب الرعايا والسفراء والديبلوماسيين العرب والأجانب من لبنان، ففيه بعض اللمسات الأخيرة المطلوبة… وصولاً حتى الى مقولة "الخروج عن السيطرة" هنا وهناك وهنالك الى آخر المعزوفة التي خبرها اللبنانيون عن العناصر المنضبطة والأخرى غير المنضبطة.

هل تجاوز لبنان محنته الجديدة هذه؟.

نعم، وإن يكن مؤقتاً. لكن يجب القول مجدداً، إنه قد تنكشف حروب النظام السوري على لبنان واحدة بعد أخرى، وقد تفشل كما حدث حتى الآن، الا أنها لا تتوقف.

… والى تجربة جديدة!.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل