طبعا لم ننس. بالعكس. كل ما يجري من حولنا، يمد ذراعه الطويلة من الامس القريب، وينتشلنا عنوة حينا وبإرادتنا غالباً من الواقع ويرمينا في حضن الذاكرة. الذاكرة فورة الحنين. الحنين قلب الحب. ومن ينسى حباً محفوراً بالنار في قلب يضخّ ألما؟
كيف ننسى رجلا مثل بشير الجميل، وان كان يجب أن نفعل! يجب أن ننساه، ليس للنكران ولا لقلّة الوفاء، لكن لننفّذ ما أحب أن نكون عليه. عندما تكتب الاوطان تاريخها بالدماء والشهادة يحين وقت قطاف الزهر، والزهر هو البدايات الجديدة، هي القيامة، ونحن نؤمن بالقيامة ولكننا نفعل عكسها، ما زلنا يا باش نترحّم عليك وعلى أحوالنا من بعدك. لا يجوز. ما زلنا ننظر من بعيد الى بستان الزهور الذي روي بدمائك والرفاق، لكننا لم نقطف الزهر بعد. الزهر الذي مهدت له الارض، وخصّبت تربتها، وزرعتها بالشتول والبذور ليصبح بستانا أخضر يزهر ويثمر وتعبر به الفصول ونحن نقطف المحاصيل. هنا القصة. لم نقطف بعد المحصول.
"مخطىء من يعتقد انه بالقضاء على أشخاص يقضي على قضية شعب"، هكذا قلت ذات يوم. صحيح، رغم كل ما جرى ويجري، لم يتمكّنوا حتى الساعة من القضاء على قضية شعب، وان كان الجهد صار مضاعفا، والبحث الحثيث والمضني جار عن أنجح الوسائل بعد وأسرعها، للقضاء علينا.
أشعر أحيانا انك مجرّد حلم، أو رواية في كتاب ما من أدب شعبي، فيه نفحة من الواقع والكثير من الخيال، أشعر انك حكاية شخصية ذاتية حاكها لبنانيون طامعون حالمون بالحرية، ولكنهم نسيوا حالهم واندمجوا في شخصيات الخيال، وعاشوا القصة وكأنها الواقع وغرقوا في تفاصيلها، وها هم الان ينتظرون صفعة جديدة قوية بعد ليستفيقوا…
الصفعة انك شهيد. نقطة على السطر.
الصفعة ان حلمك ما زال حلما… ثلاث نقاط وعلى السطر.
هذه كانت صفعة الايام لنا. وجهنا ما زال ملبّخا من قوة الصفعة. لم يشفه أي مرهم ولا دواء، ثمة أدوية مهدّئة من وقت لاخر، لكن الآثار دامية، دامية لدرجة انها تركت أخاديد محفورة علامات على أيامنا وفي وجوهنا، كأخاديد الجبال التي لا يمحوها الا الزلازل المدمّرة.
انت بدأت تبني أسس الدولة، اغتالوك. نحن "ع دعساتك" مشينا وما زلنا في قافلة ضحايا الاغتيالات. كلنا مشاريع شهداء، كلنا شهداء أحياء ننتظر فقط من يعلن موتنا. يريدون الوطن، الوطن بكامله شهيدا. يريدون الجمهورية بكاملها على الا تكون جمهورية. هم يقتلون ونحن نحيا. بالقوة، بالتحدي، بوهم القوة أحيانا نعيش. لدينا ما يجعلنا نتحدّى، عندنا ما يدفعنا للحياة والمزيد من النهم على الحياة، عندنا ايمان. لدينا أرضا وقديسين، عايشنا أبطالا ولم يكونوا روايات من الخيال، عندنا ابطال منهم شهداء ومنهم ما زالوا أحياء. نحن نستوحي منهم، نستوحي كل ما هو جميل من صوتك الذي يتغلغل كرائحة بخور في قلب مدمن على الله.
"لا نريد الغاء أحد ولكن لم ولن نقبل بأن يفكر أحد بإلغائنا" قلت. نحن ما زلنا في عزّ حروب الالغاء المتتالية. الاعداء كثر من الداخل قبل الخارج، وكل يخوض ضدنا حرب الغاء على طريقته ونحن؟ نحن الشعب اللبناني الحقيقي يا شيخ المقاومة، في قلب العاصفة، نترنّح أحيانا، تلتوي أقدامنا، نسكع، ولكن وقبل أن نقع وتسقط ذراعنا، نلتقطها من جديد وبها نضرب عدوّنا. كيف يمكن أن نقع؟ من يقبل؟ نحن الذين صنعنا الاستقلال الثاني ذات شمس، هل نقبل الدخول من جديد في الليل؟ نحن الآن في الاحتلال الجديد، لدينا محتلون جدد من نوع آخر لعله الاصعب والاخطر على الاطلاق، احتلال من الداخل يمهّد الدرب لعودة احتلال الغريب.
هي معركة الاستقلال الثالث، وان كان الامر يبدو أحيانا مستحيلا، ولكنها ربما المعركة الاخيرة على درب الشمس، أراك تلوّح لنا بقوة، تبتسم، وكأنك بدأت رحلتك الفعلية الى غير هذا العالم تمهيدا لانفصالك الفعلي عنا، ليس لننساك مستحيل، ولكن لنفعل ما أردت، قطاف الزهر ورعاية البستان الذي سيزهر حتما، ويبدو انه بدأ يفعل لأن عندنا أبطالا من قماشتك، أنت تركتهم لنا عمدا لنصبح جميعا على شاكلتهم. "القوات اللبنانية" يا باش هي بستانك…
