العام 1966 كنت في باريس، اسكن في "الغراند أوتيل – غاي لوساك". مع كبر الاسم وصغر الفندق، كانت غرفتي تتسع لسرير. بقية اللوازم في الطابق الثاني، مقابل 5 فرنكات. وكانت عجوز الاستقبال تسأل، كلما دفعت أجرة الاستحمام، ان كنت أشكو من مرض جلدي. والا ما سبب الحمّام كل يوم، ما السبب؟ ما الخطب؟
كنت في باريس جاهلاً، اطلب معارفها. ومن أضوائها سعيت الى ان يكون اسمها مصدر رسائلي. كانت اضافة العنوان الى الاسم، شيئاً أثيراً. وكان شائعاً في تلك المرحلة، ان تسعى بين أزهار بودلير وتحت مصابيح دو نرفال، كي تحسب في عداد أدب تسكع ما. العام 1966 كان تسكع الضفة اليسرى.
وقع حدث أدبي سياسي صارخ في العالم. أفرج الماريشال تيتو، للمرة الثانية الأخيرة، عن نائبه السابق، وخصمه الى ما بعد الموت، ميلوفان دجيلاس. كان أدباء العالم والكثيرون من سياسييه قد أقاموا حملة استنكار لاعتقال الشيوعي الاصلاحي(1). ففي حملة الغرب المنظّمة، او العفوية، على السوفيات، استغل كتاب دجيلاس الذائع والمثير: "الطبقة الجديدة". وهو يحكي في الحقيقة قصة الثورات في أنحاء العالم وعبر التاريخ: كيف يحل الثائر محل القيصر ويرتدي ثوبه ويحتل قصره، ويستخدم قبو الفودكا أو النبيذ نفسه. ولكن بنهم أشدّ، وتعتعة أعلى.
كنت أقرأ كيف تذهب صحف العالم الى بلغراد لمقابلة دجيلاس. وكنت أحلم. وأحياناً السذاجة تنفع. صدقها يفيد. من غرفة "الفندق الكبير" في "الغاي لوساك"، اخذت ورقة وقلماً وكتبت رسالة الى نائب تيتو السابق، أسأله ان كان لديه الوقت من أجل بعض الأسئلة، بأي صفة ومؤهلات؟ أنا من ترجم له (مع الزميل ذو الفقار قبيسي) كتابه "محادثاتي مع ستالين". كانت أجرتي يومها من يوسف الخال 300 ليرة. مبلغ محترم لم يقلل احترامه سوى أنه يصرف على جولات الزيتونة وصولاتها. طبعاً، ذلك زمن الرغبات التي صارت ذكريات، على قول طه حسين، ضرير النور العربي.
شعر الرجل المنهمك بصحافة العالم، بشيء من العطف، على رسالة غير مطبوعة، وعنوانها "الفندق الكبير"، وهي الصفة التي كانت تعطى للفنادق القديمة الآيلة الى الانقراض. ولكن كانت ثمة أسباب أخرى. كان دجيلاس قد زار لبنان وبقي في نفسه. ولم تنسه سنوات السجن علامتين: زرقة المتوسط، وكمال جنبلاط. الأولى، قال إنها أعمق من اي مكان في الحوض. وأما كمال جنبلاط، الاشتراكي النازل من المختارة، العائش في طيات الفلسفة الهندية، فاعتبره دجيلاس رفيقاً عالياً بين الرفاق: اشتراكياً متعدّداً.
شيء آخر شعر به دجيلاس وهو يتمتع بزرقة المتوسط: هل تشعر ان لبنان بلد دائم؟ ولماذا إذن لا نشعر انه كذلك؟ بدل اعتباره بلد التناقضات يمكن اعتباره بلد الالتقاءات، كل حضارة تركت على شواطئ هذا المعبر الاستراتيجي شيئاً منها، فلماذا ترمى الى البحر بدل ان يعمر بها البلد؟
كان رفيق ستالين وتيتو يفكر في يوغوسلافيا. وكانت بيروت يومها تشبه ساراييفو. مدينة ذات حضن دافئ وصدر واسع (وجميل). الاولى ولدت بعيد الحرب الاولى كعاصمة وطنية، والثانية انطلقت منها شرارة تلك الحرب. في الحرب الثانية تكرست بيروت عاصمة ذهبية تتلاقى فيها جداول لبنان، وتكرست ساراييفو ملتقى الانسجة اليوغوسلافية، مسلمين ومسيحيين وماركسيين، ولكن جميعاً أحراراً ومستقلين.
الساذجون يعيشون على الأمنيات. الايديولوجيون لا ينسون أمزجة الأنسجة وطرق الحياكة. كانت بلغراد يومها، مثل بيروت، في عزّها. والعالم سعيد من حولهما. وحجم الغرفة في "الفندق الكبير" ليس مهماً. ولو انها بلا نافذة، لكن دجيلاس كان ينظر الى الداخل. لذلك تحدث الى الصحافيين الذين جاؤوه من أنحاء العالم عن هشاشة الوحدة. وكان يخيل اليك أنه يقول ذلك طعناً في تيتو وتشفياً به ولعنة على سنوات السجن.
العام 1976 دعا كلوفيس مقصود، يومها سفير الجامعة العربية في واشنطن، الى حفل حضره هنري كيسينجر. سأله الأخير، ما هو اسم الوزير اللبناني الذي يردّد دوماً أنني أعمل لتقسيم لبنان. أجاب كلوفيس: ريمون إده. عاد يسأل: تعرفه جيداً؟ نعم. قل له باسمي إننا لا ننوي تقسيم لبنان. ليس خوفاً على لبنان، وإنما خوفاً من العدوى على يوغوسلافيا.
بعد عام أجريت في أوتاوا مقابلة مع بيار اليوت ترودو، أحد أروع سياسيي القرن الماضي. جملته التي لا تنسى "لن نسمح بلبننة كندا" إذن، لم يعد الخوف من "بلقنة" الشرق، بل من لبننة الدول المختلفة الأنسجة. ولكن في بلغراد كان ميلوفان دجيلاس، الوحيد، الذي أضاع الحياة في السجن ومصارعة الرفاق، كان جالساً ينتظر تحقق نبوءته في يوغوسلافيا.
العام 1985 سأله صحافي أميركي عن ظاهرة ميخائيل غورباتشيوف: انتقالية وموقتة. الاتحاد لن يبقى وأوروبا الشرقية ماضية الى التغيير.
¶ ويوغوسلافيا؟ ماذا عنها؟
– لبنان آخر، انتظر قليلاً.
بين 1976 و1989 نجا لبنان من نهايات اللبننة والبلقنة لكنه ارسل العدوى الى يوغوسلافيا التي قال كيسينجر إنه يخاف عليها. نجا لبنان في الشكل ولكنه كأطلال خولة في شعر طرفة بن العبد: لخولة اطلال ببرقة تهمد تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد! الدرن التقسيمي لبد في الدواخل.
العهر الانفصالي كان ضمر الجميع، وخصوصاً المنافقين. ما حلّ ببيروت ما لبث ان حل بساراييفو. ميدنتا الجمال والغرباء والألفة. نبت سم القسيمة في الشوارع والزوايا وأقيمت النصب للحقد وعلت بروج الفجور السياسي وبغائه. "هل تعتقد ان لبنان دائم"، تساءل مليوفان دجيلاس، وهو يفكر في يوغوسلافيا؟ ولكن اذا كان لبنان هشاً و"كياناً مصطنعاً" فكيف نصل الى وقت يقول فيه رئيس سوريا إنه يخشى على بلاده من التقسيم؟
وبماذا يوصف أو ينعت او يوسم او يوشم قول سياسي لبناني "إن قانون النسبية يلائم المسيحيين والشيعة". أي نوع من طبول التقسيم يقرعون؟ ولكن أليست الصراحة أفضل من التخابث؟ لا. هذه ليست صراحة. هذه استباحة للضمير الوطني وتماد في ثقافة الالغاء. وقد ثبت أنها فعل لا يلغي فريقاً بل وطناً ومشروعاً حاول اللبنانيون بناءه بأفكارهم وتمدنهم وعرقهم وتعالي الكبار فيهم عن غرائز الطائفة والمذهب والقبيلة.
حاول تيتو ان يصهر اليوغوسلافيين في ظل فكر يساري مستقل عن القهر السوفياتي. وحاول دجيلاس أن يزيد على مشروع تيتو الاصلاح والحرية وليس فقط الاستقلال عن المرض الستاليني(1) والعمى الذي أدى الى انهيار الشيوعية برمتها، وخلخلة الميزان العالمي بانفراد الرأسمالية المتوحشة تعربد وحيدة على صدور البشر.
أدى سقوط اليسار العالمي نتيجة خضوعه للاستبداد والفظاظة ورؤية العسكر للحرية، الى ظهور أشكال غير مألوفة من كهوف اليمين ودعاوى العصر الحجري. وحال العسكريون العرب دون قيام يسار معتدل ومستنير ورموا بأهله جميعاً في السجون. لم يدخل يساري في بلدان الخليج او المغرب السجن، بينما تخّت عظامهم في سجون سوريا ومصر والعراق. ولم تعرف أعداد ومستويات السجناء إلا بعد "الافراج" عنهم. وباستثناء العراق، حيث لعبوا دوراً دموياً مقيتاً مثل الآخرين، لم يكن الشيوعيون يشكّلون أي وجود تغييري او تأثيري، اللهم الا في السودان. لكن الاحزاب العربية لم تطق أحداً سواها أو فكراً ليس فاشي النزعة. الفكر الالغائي الذي يؤله القائد ويلغي الفرد ويحدّد مفهوم الجماعة وفق أفقه وحده.
عندما أفاقت الأنظمة العربية على أن العروبة لا يمكن إلا ان تكون مظلّة لا ثكنة.
كان الأكراد قد انفردوا بجمهوريتهم في العراق. وعندما تم تذكرهم في سوريا اعطوا فوراً الحقوق الذاتية علها تهدد ذوات الدولة التركية الخائفة من أن تحولها احداث المنطقة يوغوسلافيا أخرى. ليس يوغوسلافيا بمعنى الوحدة التي حققها الكرواتي العاقل جوسيب بروز تيتو بل الصربي الارعن سلوبودان ميلوسيفيتش.