تشكل مواقع الاتصال الاجتماعية الالكترونية في القضايا الأكثر إثارة لحمى الاهتمامات الشعبية مراصد استفتاءات واستطلاعات فورية لعلها الأكثر صدقاً وتعبيراً عن العموم. وبدا مثيراً لمتابع الانفعالات اللبنانية مع موجة الخطف التي اخترقت المشهد اللبناني ان يرصد بعض ما يمكن استخلاصه من مزاج شعبي استناداً الى عامل العفوية الخالصة ولو شابتها رداءة تعبيرية كبيرة في الغالب. ولكنها في هذا البعد تقترب الى الصدق الذي يصنع "حقيقة سياسية" أكثر بكثير من التهذيب اللفظي الذي يبقي باب التورية مضيعاً للحقائق.
المثير للاهتمام في هذه المتابعة هو ان الغالبية الساحقة من "المستفتين" الطوعيين، تتعامل مع ظاهرة الخطف بسخرية هازئة لاذعة أكثر حتى من التعبير الكلاسيكي عن الخشية من انزلاق البلد الى حرب أهلية. سخرية من المسميات العسكرية والحربية التي انطلقت مع تولي احدى العشائر اعلان "مجلسها العسكري" الناشئ وإشهار عنوان ميليشيوي في تحديها الصارخ لكل شيء اسمه قانون وسلطة ودولة. وسخرية من تنصيب "مجلس عسكري" لكل عشيرة وعائلة وجبّ وفرع.
يمكن الافتراض عمليا ان الشريحة الأكبر من مستخدمي مواقع الاتصال والمندفعين بلا أي تحفظ الى التعبير عبرها من فئات اليافعين والشباب، بدليل الفجاجة الهائلة والعنف المفرط اللذين يطبعان أسلوب التعبير وحتى التراشق اللاذع بين المشغلين أنفسهم. مع ذلك يبدو مفرحاً في مكان ما ان تجد ان فكرة الحرب لا تقيم في خلفية هذه الشريحة وأذهانها. حتى مع العنف التعبيري الذي يحمل عصبيات حزبية وطوائفية ومذهبية فاقعة، ثمة "تطبيع" لحوار من نوع آخر، تؤمنه مواقع الاتصال وتكشف عبره أجيال المشغلين ابتلاءها بأمراض التركيبة اللبنانية، لكنها لا تبدو قط محفزة لفكرة الحرب.
قد لا تكفي هذه الخلاصة لإقامة دليل مطمئن الى كفاية الأجيال الشابة وحصانتها ضد أي انزلاق تصنعه دولة فاشلة وقوى سياسية مأزومة او محشورة او متآمرة او قاصرة. غير انها تصح كدلالة اذا ما أضيفت الى عوامل متراكمة اخرى لا يزال ممكنا الرهان عبرها على الفرد اللبناني وحتى على "غالبيات" نائمة وثقيلة لدى مختلف الفئات الاجتماعية والطوائفية إياها لمنع الانزلاق الى فكرة الحرب نفسها. لبنان يطل على خطر الفوضى أكثر من خطر الحرب. والمظهر الميليشيوي الصاعد هو مظهر عصابات لا يزال قابلا للضبط. لكن الهامش يقصر ويضيق كلما استهانت بقايا "القرار السياسي"، ولا نقول الدولة، في استدراك المساحة المتبقية. ضاقت بيروت ومناطق كثيرة بعشرات ألوف السوريين في عطلة الفطر فيما يتعرضون "للخطف على الهوية". فهل تراهم يؤمنون بلبنان الحامي والمظلة أكثر من اللبنانيين أنفسهم؟ وأبسط الأمور ان تسمى العصابة بصفتها القانونية أولاً.