كان ميشال سماحة، النائب والوزير السابق، تلك "البجعة السوداء" التي تتدخل مرات نادرة في التاريخ من حيث لا يتوقع أحد فتغيّر في مسار أحداثه. ورغم فصول العنف والحروب الصغيرة ، تظل مرحلة ما قبل "اكتشافه" شيئاً وما بعده شيئاً آخر مختلفاً. انتقلت قوى 14 آذار من موقع المستضعفة التائهة إلى مصاف المنتصر أدبياً وأخلاقياً ووطنياً. يمكنها أن ترفع رأسها وتسأل: "ألم نقل لكم؟".
فميشال سماحة الذي خلّف أيتاماً كثيرين في الصحافة والتنظير والسياسة، والرجل ذو الأدوار التراجيدية الذي انتهت الحرب ولم يوقف حربه – على ما تفيد الإتهامات الجسيمة والمحملة بالأدلة في حقه- دفع بقوة "الخط السياسي" الذي ينتمي إليه نحو خسارة يستحيل تعويضها بأدوار كوميدية يؤديها مسلحو آل المقداد وأشباههم، ولا يسترها صمت لألسنة 8 آذار، لأنه ناتج من عجز مطبق أمام وقائع وليس من حكمة.
وتتقاطع معلومات سياسية وصحافية على أن قضية سماحة انكشفت لدوائر الدولة العليا قبل شهر ونصف على الأقل من توقيفه، تحديدا بعدما زار مسؤول أمني كبير تركيا بناء على طلب من وزارة خارجيتها . مَن لفتهم خبر الزيارة ذلك اليوم اعتقدوا أنه ذاهب للبحث في قضية المخطوفين اللبنانيين الـ11 في سوريا، لكنه اطلع هناك بالصوت والصورة على خطة وضعها النظام السوري لتفجير الأوضاع في لبنان من خلال متفجرات سينقلها عبر الحدود ويسلمها إلى المنفذين الرجل – المفاجأة: ميشال سماحة.
المعلومات التركية نقلها المسؤول الأمني إلى رئيسه السياسي وزير الداخلية وكان وقعها كالصدمة لشدة خطورتها فنقلها بدوره إلى رئيس الجمهورية الذي حرص هو أيضاً على التأكد بدقة من صدقية المعلومات والإثباتات، قبل أن يوعز بإحباط الخطة بحزم وعدم التهاون.
على هذا الأساس بدأت مراقبة سماحة بإذن قضائي أصدره مدعي عام التمييز آنذاك سعيد ميرزا . لم تكن الكاميرا الخفية التي حملها ميلاد الكفوري وحدها تصور المتفجرات التي نقلها سماحة بيديه في مرآب منزله والأموال التي سلّمها إليه وبلغت 170 ألف دولار بدل 200 ألف كان قد طلبها، بل كانت كاميرات أخرى تصوّر وتسجّل لفيلم قد يكون بثلاثة أبعاد، مما سيحدو آخرين غير عائلة السياسي المتورط إلى نكران علاقتها به.
وبعدما واجه سماحة المحقق في فرع المعلومات وأقر بما أسند إليه قابل رئيس الفرع العميد وسام الحسن بناء على طلبه كما بات معروفاً. يذكر سياسيون واسعو الإطلاع أن سماحة سأل الحسن ما مفاده " الآن وقد أقررت بكل شيء وأحبطتم الخطة التي كانت ستثقل على ضميري، كيف يمكننا لفلفتها؟ أقترح أن أخرج إلى وسائل الإعلام وأشكركم في تصريح وأثني على جهودكم لحفظ الأمن والإستقرار، وأقول إن ثمة التباساً وقع بالنسبة إلى المتفجرات التي عثرتم عليها عندي".
لم يكن يتوقع سماحة أن الدولة اللبنانية يمكنها أن تذهب إلى نهاية التحقيق في قضية توصل في نهايتها إلى الرئيس السوري بشار الأسد ومساعده الأمني الأبرز اللواء علي المملوك، لكنه سمع جواباً أن هذه القضية لم تعد قابلة للفلفة. كان موقفه "أمرنا لله" ، ووقّع محضر إفادته المسجل صوتا وصورة أيضاً وفي حضور مدعي عام بالإنابة التمييز سمير حمود.
لماذا حضر مدعي عام التمييز خلافاً للعادة ؟ يفسر سياسي بناء على معلوماته أن وزير العدل شكيب قرطباوي كان اتصل بحمود طالبا نقل التحقيق من فرع المعلومات إلى مديرية المخابرات ليطمئن أكثر الفريق السياسي الذي ينتمي إليه سماحة، وسمع جواباً أن القضية في يد المعلومات وهو ضابطة عدلية ولكن لتطمئن قلوب الجميع سأحضر التحقيق بنفسي. وهكذا كان.
تضيف المعلومات السياسية أن توجيها سورياً سرى بعد توقيف سماحة بالوصول إلى ميلاد الكفوري الشريك المشارك في كشف الخطة أياً يكن الثمن، لكنه كان قد غادر لبنان بحماية قانونية وأمنية. وساد صمت مطبق الأوساط السياسية الحليفة للنظام السوري في لبنان. حتى اللواء المتقاعد جميل السيد الذي رفع الصوت وحده هدأ وبدأ البحث بمشقة عن محام متمرس يدافع عن سماحة الذي يعدّ بحق "مجمع أسرار" حروب لبنان منذ 1975 وربما قبلها .
سيقول جميل السيّد في مجلس خاص إن ميشال سماحة بطول مترين وعقل عصفور، وسيتوجه وزير سابق صديق لسماحة إلى عائلة الرجل الموقوف في إحدى أخطر القضايا التي عرفها لبنان طالباً لزوم الصمت إن لم يكن الدفاع عنه في المقدور. نهاية محزنة لسياسي رفض أن يغادر الحلبة حتى بعد الخسارات.
سيرفض محامون كبار على التوالي تولي الدفاع عن سماحة حتى لو كان متمولون كبار لا سيما سوري ولبناني من المقيمين خارج لبنان على استعداد لدفع أموال طائلة. في نهاية الأمر اقتنع محام بالمهمة الصعبة.