ليسَ هناك ما هو أكثر ابتذالاً من مقولة "النأي بلبنان عمّا يجري في سوريا". ولو أنّ المروّجين لمصطلح "النأي"، أو المنزعجين منه، فكّروا لحظة في الوقوف على كنهه في "لسان العرب" لإبن منظور لاتضحت عندهم حقيقة الأمر. فالنأي، في اللغة، يعني "البُعد"، ونأى يعني بعد، ونأوت بعدت والمنتأى هو الموضع البعد. وفي شعر الحطيئة، "وهند أتى من دونها النأي والبُعد". وكلّ هذا لا يمكن أن ينطبق على سوريا. فأقلّ ما يقال فيها أنّها ليست بعيدة، وحتى لو افترضنا ضرورة انتهاج سياسة الحياد فهذه لا تكون باصطناع البعد، لأنّه أمر مستحيل، ويزيده استحالة الواقع التاريخيّ، الذي يجعل سوريا أقرب إلى لبنان بعد نكبة فلسطين، نظراً لأن الحدود الجنوبية ما عادت حدوداً بالمعنى الحديث للكلمة، بل "جبهة دائمة" بأشكال متعدّدة، تتنقل بين أزمنة "الاحتراب" و"الهدنة" و"الاحتلال" و"التحرير".
ولو فتّش المعنيّون في "لسان العرب"، لربّما استوقفهم مصطلح بديل، هذا ان كان حسّهم الوطنيّ سليماً، وما يريدونه هو حماية الكيان اللبنانيّ الهشّ بالفعل من اهتزازات جديدة على خلفية الأزمة السوريّة، مع الأخذ بعين الإعتبار أنّ اللبنانيين سينقسمون بطبيعة الحال حول طبيعة تشخيصهم لهذه الأزمة، وحول نظرتهم لمسارها ومآلها.
هذا المصطلح البديل هو مصطلح "الدرء"، ويعني "الدفع"، ويبدو مصطلحاً ثميناً كونه يؤمّن في وقت واحد التداعي إلى حدّ أدنى من الإجماع الوطني على "درء التداعيات السلبية" للأزمة السوريّة، وهو ما يعني ضمناً درء أي تدخّل سوريّ من أي جهة أتى بالشأن اللبنانيّ، دون أن يعني وقوعاً في أحابيل "النأي"، أي في توهّم "بعد" غير ممكن اطلاقاً بين ما يجري في سوريا، وبين الواقع اللبناني. كما أنّه، مصطلح يدعو إلى الفعل الدفاعي، وليس فقط إلى استقالة الدولة من مهامها السيادية، ومن واجباتها الإنسانية والأخلاقية تجاه ما يجري في محيطها.
وفي الحديث الشريف "ادرءوا الحدود بالشبهات"، أي ادفعوا. وفيه: "اللهم اني ادرأ بك في نحورهم"، أي أدفع بك لتكفيني أمرهم.
أما في تاريخ الفكر العربي، فهناك طبعاً اشكالية "درء تعارض العقل والنقل"، أي رفع التناقض بينهما، بدلاً من توهّم أنّه تناقض جوهريّ ولا فكاك منه، وبدلاً من ايثار أحدهما على الآخر، وبدلاً من النأي بالنفس عنهما.
وهذا تماماً، ما هو مطلوب، في السياسة اللبنانية تجاه سوريا: درء التعارض بين الواجب الأخلاقيّ للبنان وبين واجب حماية لبنان من التداعيات السلبية للأزمة في البلد المحيط.
فالواجب الأخلاقي لا يمكنه أن يقتصر فقط على استقبال اللاجئين أو حمايتهم، بل ينبغي أن يكون قادراً على عدم الإنعزال عن الإجماع العربي والدوليّ المحقّق حول المسؤولية الأساسية التي يتحمّلها "الحلّ الأمنيّ" الذي لجأ اليه النظام السوريّ لجهة هذه الكارثة الإنسانية
أمّا حماية لبنان من التداعيات السلبية فيكون بالدرجة الأولى برفض مساعي النظام، الميئوسة حالته في آخر الأمر، من تصدير أزمته، وتصدير وقائع احتضاره الدمويّ إلى لبنان، ولا يكون باستهداف مواقف رئيس الجمهورية الشجاعة، لكن التي يفترض في أي بلد آخر أن تكون بحكم البديهية، حيال تدخّل أمنيّ إرهابيّ مفضوح يرعاه رأس النظام السوريّ ضدّ لبنان واستقراره.
"النأي" لا يستقيم لا باللغة، ولا في تشخيص واقع الصلة بين لبنان وسوريا، ولا في بلورة السياسة الرسمية الممكنة للبنان حيال الأزمة السوريّة بأبعادها كافة: ثورة، قمع دمويّ فظيع، كارثة انسانية، حرب أهلية.
أمّا "الدرء" فيستقيم لغة، وتشخيصاً، وكان يمكن حتى أن يفرز أرضية حدّ أدنى من الإجماع الوطنيّ اللبنانيّ لـ"درء التداعيات السلبية" للأزمة السوريّة، و"درء التعارض" بين واجب لبنان الأخلاقيّ وبين واجب حماية الكيانية الهشّة.
وعلى الرّغم من أنّ مساعي النظام السوريّ التخريبية، وهو في طور انتقاله من "الإحتضار الدموي" إلى "النزاع الأخير"، قد بدأت تتوسّع في "بنك أهدافها"، مصدومة بالصفعة التي تلقتها من خلال القاء القبض على "الجهبذ" ميشال سماحة، إلا أنّ الحفاظ على الحدّ الأدنى من تجنيب لبنان الكارثة ما زال ممكناً. ولا يعني ذلك أنّه ينبغي توفّر هذه القناعة بشكل متساوي بين الجميع، ذلك أنّ بين الفرقاء من هو "بشّاري أكثر من بشّار" نفسه، ولا صحّة كبيرة لكل ما يروّج عكس ذلك. في الوقت نفسه، فإنّ الحركة الإستقلالية اللبنانية هي المعنية بالأمر قبل سواها، وهذا تحدّ جديد عليها إذا ما أرادت الخروج من كبوتها المزمنة: الجمع بين شعارين مركزيين في وقت واحد، "كل التضامن مع ثورة الشعب السوريّ"، و"كلّ النضال من أجل الدفاع عن السلام الأهليّ والكيان اللبنانيّ" في وجه كلّ الإرتدادات السلبية للوضع في سوريا، من أي جهة أتت.