#dfp #adsense

جمهورية الأجنحة العسكرية المتحدة

حجم الخط

كتب محمد أمين الداعوق في "اللواء":

القضية الأولى والوحيدة المطروحة حاليا على طاولة الحوار، هي كما هو معلوم، قضية سلاح حزب الله، وبعض التفاصيل المتفرعة عنها، والناتجة منها.

وبالرغم مما للحزب من طابع عقائدي ومن ارتباط بقضية المقاومة ومواجهة إسرائيل، الأمر الذي واكبه اللبنانيون في الماضي بكثير من التعاطف والتأييد إلى أن انعطف مساره إلى أوضاع البلاد الداخلية واستعمل سلاحه فعليا وتلويحا لخدمة وضعية محلية بحته، تتجاوز غاياته الأساسية المرتبطة أصلا بشؤون وشجون المقاومة ضد اسرائيل، بالرغم من ذلك كله، فإن الكثيرين تنبهوا إلى وجود وضعية غير طبيعية فرضت نفسها على الجميع، وجعلت منه في واقع الأمر، دولة تكاد أن تكون قائمة بذاتها إلى جانب دولة أساسية، أسهم الكثيرون في تكسير أجنحتها وطاقاتها وهيبتها، ومن بين هؤلاء، الحزب، الذي بات الكثيرون يطلقون عليه تسمية حزب السلاح، وقد انحسرت عنه ولو بعض الشيء، تسمية الحزب المقاوم، وما زال الانحسار إلى تفاقم وإلى تزايد.

نقول ذلك ومؤتمر الحوار الوطني يعاني بين انعقاد يحصل أو يؤجل أو يلغى، بسبب الرفض القاطع من قبل الحزب بان يكون موضوع السلاح والإستراتيجية الدفاعية، موضوعا وحيدا متكاملا متداخلا يعرض ويناقش في المؤتمر، لإيمان الغالبية العظمى من المواطنين (والتي تتعاظم اكثر فأكثر مع مر الوقت وتوالي الأحداث وتفاقم المخاطر)، باتـت تؤمن بأن الدولـة لم تعـد دولة، وبان الحكومة القائمة، باتت كرتونية الوجود والتأثير، وأن الشعب ينقسم أكثر فأكثر ليعود فيتشكل بغالبياته، حول شبه إجماع بأن السلاح بمواصفاته وتوجهاته وممارساته وأخطاره القائمة، قد بات يشكل في الكيان الوطني، التهابا حادا يتدرج يوما بعد يوم في حالته المرضية المتفاقمة بما يمكن أن يؤدي إلى أسوأ العواقب.

وفجأة… أطلت على البلاد حالة أفزعت الجميع وأرهبتهم، في طليعتهم رئيس الجمهورية الذي وصف اعتقال ميشال سماحة ومتفجراته، بعد أن اطلع عليها وعلى خفاياها وخباياها، بأنها أمر مرعب ومفزع.

ولا نرغب حاليا في العودة إلى مزيد من إلقاء الأضواء على هذه العملية الإرهابية الموؤودة، تاركين أمرها إلى القضاء اللبناني، يقيّمها ويوثقها ويعالجها، ليصدر فيها ذلك الحكم المنتظر الذي يقي لبنان من إجرام المجرمين، في كافة الصعد والمناطق والميادين.

يلفت الإنتباه دون شك، أنه بعد أن هدأ المهدؤون بعض الشيء هول الحدث المذكور، طفت على الساحة عملية خطف جديدة لشاب من آل المقداد، وفقا للتفاصيل التي يعرفها الجميع، وطفت معها في الوقت نفسه، جملة من الحركات والتحركات وتمثلت في عمليات خطف مضاد لمواطنين سوريين لجأوا إلى لبنان على النحو الذي سبق أن حصل بالنسبة لمئات الألوف من اللبنانيين الذين لجأوا في ظروف مماثلة إلى سوريا، فاستقبلهم الشعب السوري بأسره وفي كافة مناطقه، بأقصى ما يمكن من العناية والترحاب، وقد قيل في الموقوفين السوريين على يد "الجناح العسكري"، أنهم من الجيش السوري الحر، دون أن يثبت ذلك حتى الآن فادين الخاطفون سلفا بأنهم وضعوا أنفسهم في موقع الخصم السياسي، والتبع الذي يحركه النظام السوري، بالشكل والكيفية والإستهداف الذي يضمن تحقق محاولات التفجير المتتابعة والتي لم تنجح حتى الآن في تجسد الانفجارات المشغولة والمؤذية الى فتنة تخدم الغايات الغريبة، ومما يزيد من اضطراب المواقف وغموضها، أن المواطن السوري الذي أطلق سراحه والذي قيل عنه إنه الناطق الرسمي باسم الجيش السوري الحر هو المقصود الرئيسي وربما الوحيد بالإتهام، فأطلق سراحه قبل أي آخر غيره من المواطنين السوريين والذين لم يطاولهم الإتهام، ولم يتم إثبات أية تهمة عليهم من قبل "الجناح القضائي" للعشيرة الخاطفة.

ونعلق : الخطف… خطف الأبرياء على نحو ما هو حاصل ويحصل، هو أمر مرفوض ومرذول، وهو حيثما حصل، يخالف المبادئ الشرعية والقانونية، وينبذه كل ضمير وكل وجدان، المخطوفون هؤلاء تتم معالجة أوضاعهم بمزيج من العلاقات الخاصة والسياسية والإقليمية والدولية، وربما انتهت مأساتهم في الأيام القليلة المقبلة وفقا لما نرجو وما نأمل.

ما يهمنـا الآن من كل ذلك، ما تفتقت عنه الأحداث لجهة ما أعلن مؤخرا، بخصوص الجناح العسكري "لآل المقداد" والدور الذي قام به هذا الجناح لجهة خطف السوريين في اكثر من منطقة من المناطق اللبنانية، الأمر الذي أصاب اللبنانيين بصدمة لم يستفيقوا من غرابتها ووجهتها وغاياتها حتى الآن، وجميعنا راقبنا في وسائل الإعلام تلك المقارعة والمصارعة التي قامت ما بين نائب "حزب الله" من آل المقداد، الذي اعترض على عسكرية ما أعلن عنه في المؤتمر الصحفي، كما اعترض على عملية الخطف من حيث المبدأ والغاية، فكان ما كان مما دفع الإعلام اللبناني والأجنبي بعضا من ثمنه، حيث أحرج وأخرج من قاعة اجتماع العشيرة، على النحو الذي وصل إلى الناس بالصوت والصورة.

وهل نستغرب بعد ذلك ما أعلنه البعض من توجه إلى إنشاء جناح عسكري لأهل السنة؟ بصرف النظر عن جدية وصحة ومتانة هذا الإعلان الذي لئن لم يعبر عن حقيقة ملموسة، فهو يعبر على الأقل عن تصور وتوجه وتفكير له بعض معالم الجدية.

وهل نستغرب بعد ذلك، بروز أجنحة عسكرية يتم تفريخها هنا وهناك في هذا الوطن الذي يحمل في طياته مع الأسف، تربة خصبة تتلقى البذور من كل مكان، فتنمو بالخصوبة وبالري والسقي المشبوه.

مثل هذه المسيرة التي يزرعها الآخرون في أرضنا ومن خلالنا، هي الطريق المثالي لا إلى التقسيم الذي يخشاه البعض ويتحامي منه، بل إلى التفتيت… فلم نعد نتحسب لنشوء دويلات طائفية ومذهبية، بل بات همنا الا يتلاشى الوطن والدولة، إلى فتافيت ذات ألوان مختلفة ومبتكرة يسهل اقتسامها وابتلاعها وهضمها، ليدفع لبنان الثمن، وليكون عرضة ومن جديد، لكل المآسي التي عشناها فعلا على مدى خمسة عشر عاما سبقت وأودت بحياة عشرات الآلاف من الناس، وكادت أن تودي في طريقها المرعب…بالوطن كله.

ويا ليت مؤتمر الحوار الذي سيعقد قريبا على الأرجح، مدفوعا إلى الطاولة الحوارية بالإكراه المعنوي، أيا ليته يطرح قضية السلاح (إن أمكنه ذلك) بأوضاعها وخفاياها وخباياها المستجدة… الا ليتنا نتناقش في الحوار حول غايات الأجنحة العسكرية المستجدة… من أنشأها، من يمولها، ما هي أهدافها، ما علاقتها بالوطن وبالقضايا الوطنية؟ ما علاقتها بالقضايا الداخلية وبقضايا الحوار، هل هي سلاح مقاوم، هل هي سلاح مدافع، يقاوم من؟ يدافع عن من؟ ولا نعني بذلك الجناح العسكري لآل المقدام فقط، بل كل جناح عسكري أو مذهبي أو فئوي من أي نوع كان، قائم أو سيقوم.

وهذه الدولة التي فقدت كل مقوماتها، هل الأجنحة العسكرية التي نشأت أو ستنشأ، هي البدائل عنها؟
الربيع العربي الذي أفرز في كثير من البلدان، بدايات من الحكم الديمقراطي الحديث، يعاني في مراحله الأولى الحالية من الكثير من الأزمات والمصاعب بل والمصائب، ولكنه بدأ طريقا لا بد من سلوكه بكامله، وهو يصارع للوصول إلى أمكنة آمنه بكثير من الطموح والثبات والأمل.

هل ربيعنا العربي في لبنان هو ما يحل بنا ولدينا في هذه الأيام العصيبة؟ أهو ربيعنا الحديث بصيغته اللبنانية؟ أهي ديمقراطيتنا المرجوة التي لطالما فاخرنا باحتكارها في العالم العربي الذي كان يحلو لبعضنا أن يطلق عليه صفات الرجعية والجهل والتخلف؟ أهي دولتنا التي نطمح إليها وجودا راسخا مؤملا، أنكون بما هو مستجد في جمهورية الأجنحة العسكرية المتحدة ودولة الفتف والفتافيت المبعثرة، أم جمهورية الشعب الواحد والوطن الواحد، والدولة الواحدة؟

بالانتظـار وبترقب لما يحصل مجددا في الشمال بين جبل محسن وباب التبانة، وبتوقع وتنبه لحلقة أخرى من مسلسلات التفجير التي يبدو أن الجهات الإقليميـة المعروفة حريصة على إيجادها وتنفيذها وجني ثمارها الدامية، نكتفي بالقول… حمى الله لبنان.

المصدر:
اللواء

خبر عاجل