كتبت ربى كبّارة في "المستقبل":
قبل سقوط النظام السوري نهائياً يستعجل "حزب الله" شرعنة سلاحه الثقيل الذي يحتفظ به لأهداف اقليمية تتمثل في درء الخطر الاسرائيلي عن النووي الايراني. لذا أحيا مؤخراً عرضاً سبق لأمينه العام السيد حسن نصر الله ان طرحه: شرعنة احتفاظه بالصواريخ البعيدة المدى مقابل مقايضة ضبط السلاح الفردي لدى كل الاطراف. وفي اطار تجديد هذا العرض لم يتورع "حزب الله" عن التلطي خلف "الجناح العسكري" لعشيرة آل المقداد، مدعياً بأنه بات عاجزاً عن التحكم بفوضى السلاح في معاقله .
لكن "حزب الله" استفاد وقد يكون شجّع ما شهدته ضاحية بيروت الجنوبية مؤخراً من ظهور مقنعين مسلحين يختطفون رعايا سوريين وأتراك، رداً على اختطاف مقربين منهم في سوريا، وتحكمهم بطريق مطار رفيق الحريري الدولي.
وتدرج مصادر متابعة قوله بأن الامور خرجت عن سيطرته في إطار الضغط على المشاركين في طاولة الحوار حول الاستراتجية الدفاعية التي تعني سلاح "حزب الله"، لاتمام المقايضة بين ما سبق للأمين العام لـ"حزب الله" أن طرحه من فصل بين "السلاح الذي يؤدي الى مشكلة والموجود عند كل اللبنانيين" و"السلاح الذي يؤدي الى ردع اسرائيل" الذي يسميه "سلاح المقاومة" أي الصواريخ الايرانية التي هدد مسؤول ايراني رفيع اسرائيل بها. كما اكد احد نوابه في البرلمان نواف الموسوي امس انه "مخطىء من يتصور ان بامكانه الوصول الى الغاء المقاومة عبر الحوار" وصولاً الى اعتبارها "شرطاً من شروط بقاء الدولة".
ويرى مطّلع عن كثب على اجواء الطائفة الشيعية أن "حزب الله" بات امام معضلة جديدة تتلخص باختياره: سوريا أولاً او ايران أولاً. فمع استشعاره قرب انهيار نظام الاسد، ورغم استمراره في دعمه ومدّه بما يحتاجه، بات يعانده في التورط المباشر بنقل الفتنة الى لبنان حفاظاً على رأسه. ويلفت الى ان مناخات التململ من دعم نظام بشار الاسد التي كانت تقتصر على أوساط النخب الشيعيّة امتدت الى أجواء العشائر وان لأسباب اخرى.
فالعشائر ومنها آل المقداد المقربون من النظام السوري، تركت للحزب تقرير المصالح السياسية للطائفة شرط احتفاظها بمقاليد التحكم بأبواب رزقها خصوصاً في زراعة الممنوعات وتصنيعها والاتجار بها وهو ما لم يلتزم الحزب به. وادى ارتباك "حزب الله" مما تشهده سوريا الى تجرؤهم عليه وهو ما تجلىّ في عدة اشتباكات وقعت بين عناصر الطرفين في الاشهر الاخيرة في ضاحية بيروت الجنوبية خصوصاً في حيي الغبيري والرويس. ويذكر المصدر بمطالبات الحزب الاخيرة الدولة بضبط الوضع حتى لا يضطر الى مواجهات داخل طائفته بعد أن فصل حتى الآن نفسه عن الرغبة السورية في تفجير فتن مذهبية وطائفية .
وقد أظهر فشل استدراج هذه الفتن الى لبنان مدى المناعة الوطنية لجمهور قوى 14 اذار وقياداتها التي حالت حتى الآن دون الفتنة التي تتفاقم رغبة النظام السوري في تفجيرها في لبنان كلما اشتد الطوق حول عنقه وكما تجلت منذ اعتداءاته الحدودية الى افتعال مشكلات بين اهلها والجيش اللبناني الى كشف مخطط التفجيرات المكلف به النائب والوزير السابق ميشال سماحة بالتنسيق مع قائد جهاز الامن القومي علي مملوك.
ويبقى السؤال هل مازال الرئيس نجيب ميقاتي الذي شكل حكومته قبل اكثر من عام، تلبية لرغبة سوريا و"حزب الله" ولتنفيذ مخططاتهما، متمسكاً بمنصبه؟. فمع تغيّر الظروف منذ اندلاع الثورة السورية تلطّت هذه الحكومة خلف أقصى ما تحتمله: سياسة النأي بالنفس وإن أتت مزعومة خصوصاً بفضل وزير خارجية لا يهادن في انحيازه الى النظام السوري. وللسؤال احقيته لان ميقاتي فتح الباب امام قيام حكومة جديدة اذ نقل عنه زواره امس قوله "إننا مستمرون في تحمل المسؤولية حتى تنضج الظروف التي دعونا فيها، بعد طاولة الحوار في بيت الدين، الى تشكيل حكومة استثنائية". وهو بذلك يعني الجلسة الاخيرة للحوار الاسبوع الماضي التي استخدمتها سوريا وحلفاؤها مكاناً لتوجيه رسائل الامتعاض الى ميقاتي وخصوصاً الى رئيس الجمهورية ميشال سليمان على مواقفه التي لامست خطوطاً سورية حمراً عبر تنويهه بكشف مخطط سماحة – مملوك واعلانه انه ينتظر اتصالاً من الأسد حول الموضوع، ثم موقفه من سلاح "حزب الله" في عيد الجيش وصولاً الى انتقاله من الادانات الشفهية لعمليات الخطف الى دفع الاجهزة الأمنية الى اتخاذ التدابير.
وبالاضافة الى تهديد الداخل لوّح نصر الله في خطابه الاخير باحتمال امتلاكه اسلحة غير تقليدية في ظل المخاوف الغربية من استخدام النظام السوري أسلحته الكيماوية ضد الثوار او وقوعها بيد متطرفين . وقال "لدينا صواريخ دقيقة تطال أهدافاً نوعية وتوقع عشرات آلاف القتلى". لكن هل ينقلب السحر على الساحر بحيث يحصل توافق غربي – اميركي – روسي على تدخل عسكري هدفه حماية هذه الاسلحة؟.