كتب رضوان عقيل في "النهار":
لم يكن مفاجئاً للحلقة الضيقة المحيطة برئيس مجلس النواب نبيه بري إقدامه على عدم المشاركة في جلسة هيئة الحوار في بيت الدين الخميس الفائت، فهو قبل يوم من انعقاد الجلسة التي كانت مقررة ترأس اجتماعاً لهيئة الرئاسة في حركة "امل" في عين التينة وأبلغها هذا الموقف، الذي لم يكن محل ترحيب غير ظاهر عند رئيس الجمهورية ميشال سليمان وان كان الأخير لم يعلن هذا الامر واكتفى بالقول ان السبب الذي منع بري من الحضور يعود الى أمور أمنية.
وتزامن هذا الموعد في بيت الدين مع تنفيذ سلسلة من اعمال الخطف وقطع طريق المطار من جانب آل المقداد وعائلات المخطوفين اللبنانيين الـ11 في ريف حلب حيث عاش ذووهم طوال يومين على هستيريا بعض المحطات التلفزيونية والبث المباشر المتفلت وغير المنضبط.
وفي معلومات لـ"النهار" ان سليمان تبلّغ عدم مشاركة بري قبل 24 ساعة من الجلسة ولاسيما ان الرجل كان قد اطمأن الى التئام الطاولة وجمع اركانها بعد استقباله الرئيس فؤاد السنيورة الذي أبلغه ان قوى 14 آذار ستشارك وستلبي دعوة رئاسة الجمهورية.
وعند خروج السنيورة من بيت الدين، كان الموعد التالي للوزير علي حسن خليل، ففاتحه سليمان على الفور: "14 آذار سيحضرون الحوار وهذا ما سمعته من الرئيس السنيورة". وكانت المفاجأة التي سقطت على صدر رئيس الجمهورية هي تلقيه من خليل "ان الرئيس بري يعتذر عن عدم المشاركة".
ومن أول الاسباب التي دفعت بري الى اتخاذ هذا الموقف الذي لم ينسق فيه مع حلفائه في 8 آذار "حزب الله" و"تيار المردة" و"التيار الوطني الحر" وسواهم، هو ان هذه الجلسة الحوارية جاءت في شهر رمضان وان قطع المسافة من عين التينة الى بيت الدين يفرض على الصائم (عند الشيعة) الافطار زائد المظاهر غير المشجعة على الطرق التي رافقت انتفاضة آل المقداد الذين احتلوا صدارة الشاشات واصبحت اخبارهم تنافس حركة رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان في انقرة.
وجاءت هذه التطورات في وقت لم يخف بري انزعاجه من "دلال" 14 آذار والشروط التي كانوا يضعونها للمشاركة بدءاً من الحصول على "داتا" الاتصالات الى سلسلة اخرى من المطالب، لأنه في اعتقاده أن الحوار لا يكون وفق هذه الطريقة وهذا الغنج السياسي وإن كان ولا يزال في مقدم الداعين الى الحوار وممارسته بالقول والفعل وانه خشبة الخلاص للكثير من الأزمات والمشكلات التي تهدد البلد وخصوصا في ظل حكومة مترنحة لم توضح كيفية تحديد موعد انعقاد جلستها الاربعاء الفائت وتضاربها مع موعد جلسة الحوار، الامر الذي كان محل تندر عند بري.
ويردد أنه لا يعمل وفق اجندة اهواء 14 آذار وانه لا يشارك في جلسات الحوار وفقاً لشروط الرئيس السنيورة.
ويوضح لـ"النهار" في رد على سؤال عن اتخاذه تلك الخطوة بالقول: "الحوار ليس مذكرة جلب. وانا في مقدم الساعين وما زلت لانجاحه".
وهل ما زلت على موقفك في الجلسة المقبلة؟
"ما اقدمت عليه انقذ الحوار في مثل هذا التوقيت والا كان مصيره الفشل وضياع هذه الفرصة الذهبية امام اللبنانيين. وسأشارك في الجلسة المقبلة. وانا حيّيت في بياني رئيس الجمهورية على صبره الطويل وأقصد قوى 14 آذار لذلك قمت بهذا الفعل".
ويضيف: "اكرر للمرة المئة ان شروط الحوار المثمر يجب أن تتوافر له مقومات النجاح والروح الرياضية الوطنية بعيداً من وقع الشروط والشروط المضادة".
وفي ظل هذه المعطيات التي تحكم حياة اللبنانيين الذين باتوا ينامون ويستيقظون على انباء الخطف واعمال القتل والسلب والأحداث الأمنية، فضلا عن المسلسل الدامي في طرابلس الذي لم تعرف بعد حلقاته الاخيرة، اطلق بري نداءه اول من امس في لحظة غضب وقرف مما يحصل في البلد وفي اكثر من منطقة.
وهو كتب سطور هذا النداء بعد ظهر أول من امس في لحظة عبّر فيها عن تخوفه من تفاقم فصول هذه الأزمة عندما كان يتلقى التقارير تلو الاخرى في حضور مساعديه بلال شراره وعلي حمدان واحمد بعلبكي، مسجلاً كماً من الملاحظات على أداء الحكومة، ومستغرباً كيف "قذفت" موعد اجتماعها الى 28 الجاري في ظل هذه الأحداث وتطوراتها على الارض، وانها تمشي مع المرض الذي يهددها ولا توفر له العلاجات المطلوبة. أما بالنسبة الى الجيش فهو يعطيه كل الدعم والمساندة. وهذا ما يقوله لقيادة هذه المؤسسة وللعماد جان قهوجي.
يبقى الأمر الذي يشغل بال رئيس المجلس وهو قضية المخطوفين الـ11، فضلاً عن المخطوف حسان المقداد، ويعبر صراحة عن طريقة تعاطي بعض محطات التلفزة المحلية مع هذا الموضوع وكيف تلهث بكل بساطة وراء السبق الصحافي الكاذب وغير الدقيق غير آبهة بما تبثه للرأي العام.
ويعود الى الوراء بالقول ان أكبر مجزرة هددت لبنان بعد خطر اسرائيل وعدوانها كان قانون الاعلام المرئي والمسموع "وهذا ما قلته للرئيس المرحوم رفيق الحريري ولم أكن أرغب في المشاركة في هذه المحاصصة التلفزيونية".
وإذا سألت بري في لحظة اندفاعه هذه و"توتره التلفزيوني" انك بذلك تقف ضد الحريات؟
يرد بلهجة حازمة: "لا أحد يزايد عليّ في وقوفي الى جانب الاعلام اللبناني فأنا معه ظالماً أو مظلوماً، وطوال مسيرتي السياسية التي تمتد الى أكثر من نصف قرن لم أشتكِ على صحافي أو مؤسسة اعلامية من أي نوع كانت، لكن للحريات حدوداً وهي تنتهي عندما تنال من حرية الآخرين واعصابهم".
ويسأل "بأي حق تقدم محطة على بث خبر مقتل المخطوفين الـ11، أليس لهؤلاء عائلات من لحم ودم ومشاعر؟". ويضيف: "أنا ماذا أفعل اذا نزل هؤلاء الى الطرق وقطعوها؟".
ويروي أن ثمة خمسة من المخطوفين يعودون في جذورهم الى العشائر وان نصفهم من حركة "أمل" "ونحن و"حزب الله" لا نتهاون بحياتهم"، ولذلك ركز في الجزء الاساسي من جلسة استقباله لوزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس على هذا الموضوع، وخاطبه: "بحكم صداقتي لك أولاً وقبل موقعك في الخارجية الفرنسية أريد منك معلومات عن حقيقة صحة المخطوفين".
وبعد أقل من 24 ساعة أبلغه فابيوس ان المخطوفين في صحة جيدة بعد لقائه ممثلين للخاطفين في أنقرة.
ويرى أن خطف اللبنانيين الـ11 في حلب وابن المقداد هدفه جر لبنان وتوريطه في الازمة السورية ليغرق في بحر من الفوضى.
يبقى ما لم يعلنه بري ان الحكومة تسير في معالجة ملفاتها مثل السلحفاة غير الآبهة بما يعترض طريقها. وما النداء الاخير الذي أطلقه ومخاطبته اللبنانيين "اتقوا الله في هذا الوطن" قبل ضياعه وهو يشاهد الاعلان عن ولادة المجالس العسكرية والعشائرية والمناطقية الا القول "اللهم اشهد اني بلغت".