كتب فادي عيد في "الجمهورية":
تراجعت بنحو ملحوظ المتابعة السورية للملف اللبناني إلّا من باب "الأمن الإلهائي"، الذي كان الوزير الأسبق ميشال سماحة أحد رؤوس جبله الجليدي، غير أنّ الأحداث المتتالية والمتسارعة يومياً في سوريا تجعل الحليف المسيحي أكثر إرباكاً من ذي قبل إن بشكلٍ حاد أو على حدّين متناقضين.
أوّل هذين الحدّين هو حيال الوهن السوري الذي يُغيّب الغطاء السياسي الكبير لحركته الداخلية، وثانيهما حيال الحليف الداخلي الأساسي (حزب الله) ويرتبط بإعادة تموضع هذا الأخير بما لا يُحرق أصابعه إلى حدود اليد وكامل الجسد كذلك.
وفي المعطيات المتوافرة على هذا الصعيد، لاحظت أوساط مواكبة لحركة فريق "8 آذار" أنّ الاضطراب جليّ في نشاطه السياسي سواء عبر مواقف رئيس تكتل "التغيير والإصلاح" النائب ميشال عون المتكرّرة حول "القاعدة"، أو من خلال اضطرار وزير الدفاع فايز غصن المحسوب على زعيم تيار "المردة" النائب سليمان فرنجية، إلى التمهيد لوجود "قاعدة" في الشمال تسهيلاً لمهمة وزير "الأسد" ميشال سماحة الذي كان يتحرّك لإلباس الثوب "القاعدي" لمتفجّرات منقولة في سيارته الخاصة.
وقد لاحظت الأوساط أنّ حركة الأسد في لبنان أضحت شبيهة بحركة "فيل ضائع في محل لبيع الكريستال"، وتنعكس بالتالي على فريقه الخاص في لبنان، فعون يؤجّل انتهاء الأزمة وحسمها لمصلحة الأسد من ثلاثاء إلى آخر، وفرنجية يسعى جاهداً إلى تغطية فعل سماحة في دفاع عنه جعل الأمور أكثر وضوحاً، حتى لا يُقال وقاحة.
وقد قرأت الأوساط حركة فرنجية وفقاً لمجموعة مستويات، أبرزها:
– فرنجية يلتزم الدفاع عن سماحة، مع ما يثيره ذلك من اشمئزاز شمالي واضح سواء لدى المسيحيين أم السنّة، وبنحوٍ يصوّره مستميتاً في الدفاع عن نظام الأسد، من دون قراءة المعطيات والتطورات الجديدة، ومن دون الاهتمام بما كان يمكن أن تجنيه يدا الأسد على الشمال، فالموضوع لم يعُد مجرّد وفاء لصديق، بل ارتباط عضوي فيه ومعه ومع مصالحه، لأنّ عامل الوفاء يقتضي منع قتل الأخوة في الوطن، وليس العكس.
– يذهب فرنجية إلى حدود السير في قانون النسبية على رغم تأثيره القاتل فيه سياسياً، خصوصاً بعد انتصار "القوّات" في الكورة، وبعد انحسار نفوذه رويداً نحو زغرتا المدينة، نتيجة غياب غطاء الوصاية عن لبنان وابتعاد نفوذ "حزب الله" عن منطقته، ولكنّه صوّت لمصلحة النسبية (13 دائرة) وكأنّ ما يُطلب من "حلفائه" أمرٌ مطاع.
– فرحت القواعد الزغرتاوية لصمت فرنجية حين صمتَ ووضعته في خانة الحكمة والخطوة المدروسة، ليتبيّن بعد ذلك أنّ المسألة مجرّد توقيت سياسي لا أكثر، وهو مرتبط كلّياً أو جزئياً بسياسات ذات زوايا مختلفة عن زغرتا وزاويتها حتى بدا للأهالي هناك أنّ "القوات" تتقدّم بخطى ثابتة لاختيار مرشحين يشكّلون قاسماً مشتركاً بين الخيار السياسي الملتزم وبين توق الرأي العام إلى التفلّت من توق إلى وصاية من الماضي، في حين يستمرّ قائد "المردة" في تصعيدٍ غير مسبوق لمصلحة هذا الماضي وغير مفهوم الأبعاد.
زغرتا في حيرة من أمرها، إقطاعها حائر، تحالفاتها مرتبكة، "هلوسات" 14 آذار و"القوات" تجتاح أجيالها الجديدة، والخوف على خدمة أو مصلحة، يتردّد في الاقتراب من أبنائها هذه الأيام، باستثناء تردّد واحد مستجدّ، مَن يترشّح في زغرتا؟ طوني فرنجية أم يعود سليمان إلى الواجهة للمواجهة الكبرى؟