#dfp #adsense

«التشبيح» بالتقسيط… في لبنان

حجم الخط

لا يمكن أي لبناني إلا أن يؤيد دعوة الرئيس نبيه بري الى كسر يد كل من يقطع طريق المطار، وتنديده بـ «الجنون»، ولكن مَنْ يكسر يد مَنْ يمارس دور «الشبيحة» مع الدولة؟… «يشبِّح» عليها لقضم دورها بالتقسيط، وهو ما حصل، فأعاد شبح الحرب الأهلية ليخيّم فوق رؤوس الجميع، وأعاد الى النقطة صفر سياسة النأي عن الزلزال السوري.

وبين محذّر من خروج الأوضاع عن السيطرة، ولو كان بقوة «حزب الله»، ومهدِّدٍ بعواقب اللعب بورقة خطوط تماس، وملوّح بنتائج وخيمة لمحاولات تعطيل الجيش، يقترب اللبنانيون من شفير زلزالهم، على وقع الحرب «الأبدية» بين جبل محسن وباب التبانة في طرابلس.

نذير الزلزال كان «المؤامرة» الاستثنائية في خطة التفجيرات المعروفة بفضيحة ميشال سماحة، لأسباب لم تعد في حاجة إلى مزيد من التحليلات والتكهنات، ونذيره كذلك في تحدي الدولة واستهداف الجيش بالرصاص، والقنص بعد فوضى الخطف على الجنسية، خلافاً لـ «تقاليد» حرب 1975، من دون أن ينتقص ذلك من حضور الرياح المذهبية بدلاً من الطائفية.

وليس بلا مشروعية التساؤل عن ضراوة معارك «داحس والغبراء» طرابلس، بعد خطوات لبنانية رسمية بدأت بالادعاء على شخصية سورية بارزة في قضية مخطط التفجيرات الإرهابية، وتشديد الرئيس اللبناني ميشال سليمان على اللاشراكة مع الجيش في حفظ السيادة. كثير من الإشارات توالى على مدى الأسابيع القليلة الماضية، لا يوحي إلا بتوجه لبناني نحو فك وحدة قرار مع دمشق رسمياً، لأن ما أفرزته الأحداث والحرب في سورية على مدى 17 شهراً، لا يترك هامشاً للتعامي، ولا لتجاهل احتمالات التعايش مع اليوم التالي… وإن يكن الطوفان بعد الزلزال.

من الدعابات السوداء لدى اللبنانيين، تلك الأجنحة العسكرية للعائلات والعشائر، وحتى المذاهب. وإن كان من إجماع صامت اليوم على وجود محاولات لنعي الدولة وتغييب دور الجيش في احتواء تداعيات المحنة السورية، فالحال أن الثابت الوحيد هو تداعي مقولة النأي بالنفس، فيما النفوس مشحونة بمشاهد مجزرة كبرى في سورية لم توحد القوى السياسية اللبنانية، حتى على التبصّر في كيفية صدّ الحريق.

هو إذاً فشلٌ للجميع، بمن فيهم الذين يتوهمون بأن الأحداث في سورية عابرة. وإذا قال الرئيس نجيب ميقاتي ان في فمه ماء، فذاك لا يلغي حقيقة أن في أيدي كثيرين من عناصر الأحزاب وحَمَلة السلاح ولواء العشائر، القدرة على تحدي الدولة اللبنانية، على طريق المطار، والإمعان في تطيير هيبتها ولو كان قرارها كسر الأيدي المتطاولة.

أهي إذاً بداية نفق 1975 مكرراً؟… تنضم فيها العشائر الى المذاهب، وللأولى كما في كل مكان بطون وأفخاذ، تمكنها من فرض سطوتها، لكأن باص اللبنانيين المخطوفين في سورية يصادر منزلة بوسطة عين الرمانة. وإذا كانت مأساة فلتان الخطف تعيد الجميع الى المربع الأول في التساؤل علناً: «أين هي الدولة»، وما جدواها إذا استمر عجزها عن حماية طريق المطار، فالمفارقة في طرابلس أمس حيرة إزاء سؤال من نوع: مَنْ يحمي المواطنين، أو من يقي الجيش شر القنص… والفتنة؟!

يحيل الفلتان والفوضى المتناسلة على تذكّر التمسك الغربي باستقرار لبنان، والذي تحوّل ضمانات في مبالغات تهاوت سريعاً، منذ مؤامرة التفجيرات ثم استباحة شوارع ومنابر إعلامية. بالتالي، ما لا يمكن تجاهله من انقسامات بين 8 و14 آذار وسواهما، وخلافات تبدأ بالتعامل مع الزلزال السوري، ولا تنتهي بملفات الأزمات المعيشية، والعناد في استعداء دول تتيح فرص عمل لعشرات الآلاف من اللبنانيين… كل ذلك، وعجز الفريقين أو أحدهما عن تقبل تنازلات لتسهيل الإنقاذ، جرّا لبنان الى حافة الانهيار.

إنه الفشل الكبير الذي قد يطيح ما تبقى من دور للدولة، إذا كرّت سبحة المجالس والاحتكام الى غلبة السلاح و «بطولات» التحريض على الآخر، اللبناني والعربي والأجنبي، وحفلات استنهاض الغرائز من على شاشات التلفزيون.

ولكن، أليس ما يشهده البلد مجرد نماذج معدّلة وصارخة لجولات «تشبيح» على الدولة، خاضتها غالبية القوى والأحزاب، وأحياناً باسم إنقاذ الوطن والدولة؟

ينفرط عقد اللبنانيين في كل أزمة، ولو كانت مستوردة، وإذا صح اعتبار الزلزال السوري أعتى بكثير من قدرتهم على المقاومة، فالواقع الذي لا يمكن إنكاره هو غياب الزعامة الجامعة التي تملك شجاعة الاعتراف بالخطأ، وشجاعة الإقدام على التنازلات… قبل قطع دابر «التشبيح» على الدولة.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل