23 آب 1982 ليس يوما عابرا في تاريخ لبنان الحديث، ولا هو يوم تشرق فيه الشمس وتغيب مثل اي يوم اخر، انه اليوم الذي وصل فيه الى سدّة الرئاسة الاولى شاب مقاوم، اقسم بدمه وبدم رفاقه الشهداء، ان يعيد الحياة الى عروق هذا الوطن، مطعّمة بالعنفوان والكرامة والسيادة والعيش الحقيقي المشترك بين جميع مكونات الشعب اللبناني، بعيدا من غلبة فريق على اخر، والاهمّ من كل هذا تصميمه على انشاء جيش لبناني الهوى والانتماء والعقيدة من مائة ألف جندي، يحمي حدود لبنان وقراره الحرّ من الطامعين به والمعتدين عليه.
ان تتمكن القوات اللبنانية من ايصال بشير الجميّل، ابنها وقائدها الى منصب رئاسة الجمهورية في 23 آب 1982، فهو الحدث الكبير الذي توّج نضالات وشهادة عشرات ألوف القواتيين ومئات ألوف اللبنانيين، ولم يكن الهدف السعي وراء منصب، بل كان الهدف التفتيش عن وسيلة تنقذ لبنان من الموت والدمار، وتضعه على سكّة الدول الديموقراطية القويّة السيدة القابلة للحياة، فكان بشير حاضرا وجاهزا لهذه المهمة التاريخية الخطيرة، وبرهن عن قوّته وحضوره وجهوزيته في تصرّفه كرئيس للجمهورية في الـ 23 يوما التي سبقت زلزال اغتياله في 14 ايلول 1982 على يدّ من اراد ان يبقى لبنان ساحة وليس وطنا، كما هو واقع الحال بعد ثلاثين سنة على انتخابه.
في 23 آب 1982 وصل بشير الى رئاسة الجمهورية، مسيحيا مارونيا، فرح به المسيحيون والموارنة وعندما قتلوه في 14 ايلول 1982، قتلوا رئىسا لبنانيا عربيا توحيديا اصلاحيا من الدرجة الاولى.
خافه المسلمون عند انتخابه، لأن الانسان عدوّ ما يجهل، وعندما عرفوه، احبّوه وحضنوه، وعندما استشهد بكوه كما لم يبكوا احدا من قبل، لانهم شعروا كالمسيحيين، بثقل الخسارة على الوطن ووحدته، وكانوا على حق، والبرهان بين ايدينا.
عندما اعود بالذاكرة الى الفريق الذي اختاره بشير ليساعده في خطط انقاذ لبنان وتحديثه وحمايته بالعلم والعقل والوطنية، اعترف بأنني افكر بسذاجة عندما كنت احاول اقناع ذاتي، بأن من فجّر بيت الكتائب ببشير ورفاقه، ما كان يقدم على هذه الجريمة، لو عرف كيف يفكر بشير، وماذا يخطط من مشاريع لنقل لبنان يومها من خانة التخلّف الاجباري الى خانة الدول المتقدمة، ولكن ما العمل اذا كان البعض ممن يقدمون على هكذا اعمال، يخضعون الى غسيل دائم للدماغ، وسيطرة كاملة على تفكيرهم وارادتهم، وهذه الحالة ما زالت قائمة ومستمرة عند بعض ضعاف النفوس الذين يتآمرون على بلدهم ولا يندمون.
* * * *
ان حياة بشير على قصرها، هي ملحمة من ملاحم الانسان اللبناني الذي توارث ابا عن جد، قيم النضال في سبيل الكرامة والعنفوان والتعلّق بالحرية والاستقلال والسيادة، وبشير بعيدا عن اي خطأ عرضي او مقصود جسّد هذه القيم وقدّم حياته في سبيل ديمومتها، وفي سبيل حلمه بقيام دولة الحق والقانون والاوادم، واذا كان سقط شهيدا مع رفاق دربه ونضاله، فهذا من دواعي الفخر والاعتزاز، اما الاسف فعلى الدولة، التي تشلّعت، والسيادة التي ديست، والاستقلال الذي ضمر والحرية التي كبلت بالسلاسل اما جذوة الاستمرار فمتّقدة ومستمرة عند محبّي بشير وفي ولديه يمنى ونديم، وفي حزب القوات اللبنانية وقيادته الامينة على العهد والوعد، وفي عشرات آلاف القواتيين الذين يهتفون صبحا ومساء: بشير حيّ فينا.