لا أعرف زواريب المدينة وتفاصيلها، أزورها قليلا. قد أضيع في شوارعها العريضة والضيقة، لم يتوافر لي دليل يرشدني. لكن أعرف انها طرابلس. هناك حيث نقصد حلويات الحلاب لنتمتع بحلاوة الجبن ومربّى الورد، ونحمل معنا الى أهالينا في البقاع لائحة طلبات طويلة عريضة، تبدأ من الحلويات وتنتهي بالصابون البلدي. أعرف سوق الصابون حيث رائحة العتيق تعبق. رائحة طرابلس الحقيقية. النظافة. وأنا في طريقي ذات يوم الى وادي خالد الحدودية، مررت بشوارعها الفقيرة حيث البسطاء يلهثون خلف كرامة العيش ولو كان زهيدا، هذه أيضا جزء من طرابلس، مظهر الفقر لا يعني ان الناس فقراء في الكرامة أو الانتماء، لعله العكس تماما هؤلاء هم أصحاب القضايا الكبيرة.
من ساحة "الله" (ساحة عبد الحميد كرامي)، يتوزع ناس المدينة وتتشعّب ساحاتهم، منهم الى جبل محسن يلهفون، آخرون طريقهم من باب التبانة، وباب الجبل مقفل غالبا أمام درب التبانة والعكس أيضا، وسوريا بينهم. مفارقة أن يكون الشارع الفاصل بين السنّة والعلويين هناك اسمه "سوريا"…
نكتب ورصاص المذهبية يلعلع في سماء المكان. على وقع الازيز رأينا عبر التلفزيون مشهدا مرعبا. انتشل طفل رشاشا من يدي والده، وبنشوة لا تقارن وجهه صوب "العدو"، وأطلق مزهوا بخبراته العسكرية المبكرة، رشقا قد يكون جرح أو أردى طفلا آخر مثله. صفّق له أخوه الكبير، ومبتهجا فخورا بطفله، انتشل الوالد رشاشا آخر ووجهه الى خده الطرابلسي الايسر، وأطلق العنان لموت الانسان فيه وفينا…هذه صورة، عيّنة صغيرة عما يجري في عاصمة الشمال الحزين.
من يصدّق ان بعضا من مدينة عريقة كتلك، يتلقى الاوامر من خارج حدودها، من خارج حدود الوطن، من مطلوب للعدالة الانسانية بتهمة الاجرام بحقّ شعب كامل، من حاقد يكاد ينفجر عندما يرى الحياة تمشي هنا وتموت في قلبه وشوارعه؟ من يصدّق ان طرابلس تعيش تحت رحمة شخص مماثل؟! لماذا تركت طرابلس بوسطة متفجّرة في شارعها العريض، بوسطة حرب جديدة تقلّ ركاب الفتنة وصانعي الحروب وتفجّر لبنان من قلبها؟ لماذا تقبل طرابلس أن تموت في عز الحياة فقط أرضاء لشهوات ملك الموت؟؟
لا تركني أيتها المدينة الرامشة على التاريخ والتقاليد الحلوة، في وطن ما زال أحلى ما فيه ناسه، لا تركني تلك البوسطة اللعينة، لا تقبلي أن تكوني محطة البنزين التي تزوّد مهووسي الدمار بوقود الناس. انت مدينة تصدح "لا اله الا الله"، أين الله فيما تفعلين؟ لماذ تنتحر مدينة مثل طرابلس؟ لم تفهمي اللعبة بعد؟ انت تُستَنحرين. لست أفضل من غازي كنعان ولا قافلة المستنحرين أمثاله في البلاد "الشقيقة" القريبة، لكن الا يضنيك أن نكتشف جثتك عائمة الى جانب النهر؟ هل تقبلين موتك بهذه السهولة؟!!
في ساحة "الله" يقف الحائر المذعور، المدينة تزحل بعنف صوب الغروب. يقف الجيش في وسط الانشقاق، هو ليس مع أحد ضد أحد، لكن لا أحد يفهم ماذا تفعل "كم" دبابة وسط الشوارع، بدل أن تنزل كل الدبابات والاسلحة الثقيلة والقرار السياسي بكل ثقله لردع ترسانة الفتنة. والحكومة…الحكومة… ماذا نقول عن الحكومة؟ حقيقة هو الاعجاز. الاكيد ان لا حكومة. القطعان بواد والحكّام، وليس الرعيان، بواد آخر سحيق، ولا أظن انهم سينهضون منه، طرابلس ستكون المقبرة. لن يعود وزير الى كرسيه في الحكومة وهو وزير، وان جلس اليها. هم مجموعة لتنظيم الغنائم ليس أكثر. هم زمرة رجال آليين يتلقّون الاوامر وينفّذونها ولا يهم ان اعترضوا فيما بعد أم لا. هم لا شيء في منظومة الحاكم الفعلي بأمرهم.
في الشمال الحزين عاصمة خرجت من الانتظار، أغرقت الحلم ببحر الكوابيس، ما عادت تسمع ولا تريد أن ترى ولا أن تحلم، نصبت المتاريس على جنبات القلب، وأدارت وجهها صوب الموت. هل تصدّقون انها طرابلس؟؟
