كلما التهبت البؤرة "التاريخية" بين بعل محسن وباب التبانة تتعرض طرابلس لظلم افدح من الاهتراء الامني، هو ظلم التعميم، فتوصم المدينة برمتها بوصمة العنف المذهبي وجاهليته. تكاد العاصمة اللبنانية الثانية، تختصر مفارقة ولا اغرب في استعادتها القاتلة لهذا النزف الدموي، وهي مفارقة ادمان الانتحار المجاني العبثي بلا اي افق سياسي. باتت طرابلس على ايدي الزمر المسلحة اشبه بواقع السلطتين السياسية والامنية تماما. مع حكومة يشكل الوزراء الطرابلسيون سدس مكوناتها اضحت القوى التقليدية وسائر قوى المجتمع المدني فيها على هامش الهامش وتقدمت الزمر الى الواجهة المهيمنة عليها. هكذا صار لبنان بأسره في ظل التدفقات المذهبية المتصاعدة على نار الازمة السورية، مع حكومة كل يوم بيومه.
تحلى رئيس الحكومة نجيب ميقاتي بشفافية كبيرة في اعترافه بذلك. ولكن المثير لدهشة اكبر هو المنحى "الواقعي" الذي اتسمت به خطوة قيادة الجيش في مفاوضة "القيادات الميدانية" في بعل محسن وباب التبانة. واقعية العسكر تصدم اكثر من واقعية السياسيين، فالناس غالبا ما ينتظرون قرارات واجراءات عسكرية حاسمة. لكن في معترك مذهبي أهلي تراهم يصدمون غالبا بالعودة الى أرض الواقع. لعل أكبر الطموحات الآن في طرابلس لا تتجاوز قدرة الجيش على منع اجتياح فريق لفريق ومنطقة لمنطقة، لا أكثر. وهو طموح يشبه تماماً ذروة ما يقدمه مشهد سياسي فوضوي، مماثل للفوضى الأمنية الجوالة. حكومة تتفكك على يدها الدولة، ولكنها لا تنهار انهياراً ناجزاً. بالأمس كان المشهد مماثلاً أيضاً في الشارع الشيعي. خطف كاد يعلن الساعة الصفر لبدء الحريق الكبير. وبسحر ساحر جرى تطويقه، وسحبت "العشائر" تواقيعها عن "المجالس العسكرية" كأنها لم تكن.
مفاد ذلك ان لبنان سيمضي طويلاً، والى أفق غير محدود، في "المشي على الشوار" من دون الوقوع في الهوة ومن دون العودة الى الخلف. فوضى عامرة بكل المفاجآت اليومية، ولكن لا حرب خنادق ومتاريس وقصف تقليدي وتهجيري.
هل هي "نعمة" التقسيم الواقعي الموروث والفرز القائم منذ حقبات الحرب؟ هل يبلغ الأمر باللبنانيين ان يمجدوا هذه اللعنة ما دامت تشكل إحدى العوامل التي تمنع التمازج "الحربي" الحتمي؟
ما يقوله العنف المذهبي هو التحريض بعينه على تمجيد الفرز المناطقي لأن لا دولة في لبنان قادرة على حماية وحدة الشعب والمؤسسات والشارع. هو تحريض على "لبننة" بغير المفهوم الذي رافق نشأتها. عنف مذهبي محصور بمناطق وممنوع من التصدير الى مناطق أخرى. فتكيفوا مع "نعمة" هذه الفوضى وخطوطها الحمر.