كتب طوني عيسى في صحيفة "الجمهورية":
الخائفون من إسقاط ملف الوزير السابق ميشال سماحة أو تعطيله لم يعودوا أقلّية، وتتزايد الإثباتات بين أيديهم. ويقول بعضهم: بناءً على الظروف التي تحيط بالقضية، سيكون ممكناً السؤال بعد أيّام أو أسابيع: هل تتذكّرون ملفّاً إسمه ميشال سماحة؟
خطفٌ ومجالسُ عسكرية ونارٌ مشتعلة تقطع طريق المطار، ثمّ تفجيرٌ في طرابلس، وبقيّة "النيران" تأتي عند الحاجة، وفي الأمكنة غير المتوقّعة. هكذا تتمُّ التغطية الناريّة لملف سماحة.
ولكن، في الكواليس، هناك عملٌ أمني – سياسي – قضائي لخنق الملف في مهده. ومن سوء الأقدار أن تكون وزارة العدل، في ظلّ حقوقي بارز ونقيب سابق للمحامين، جزءاً منه. فالمطلوب هو إحباط الخطوات غير المسبوقة التي أنجزها فرع المعلومات والمدّعي العام التمييزي بالوكالة القاضي سمير حمّود ومفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية بالوكالة القاضي سامي صادر، الذي لم يعد اليوم في واجهة المسؤولية بعد عودة المدّعي العام الأصيل القاضي صقر صقر من عطلته.
إذاً، وكما كان متوقّعاً، تجري محاولة لإسقاط الملف بالجبهات المفتوحة وبؤر التوتّر والتهويل بالفتنة وإطاحة الاستقرار، إذا لم يتمّ إقفاله. أمّا محامو الدفاع فيتكفّلون بإثارة الغبار حول شخص الشاهد ميلاد كفوري ويطرحون شكوكاً حوله ويُغرِقون التحقيق في شكليّات عملية التوقيف.
في الأيّام الأولى، حاول وزير العدل شكيب قرطباوي أن يجري تسوية بين خيارين متناقضين: إلتزامه المهني الذي يُعرَف به من جهة، ومستلزمات انتمائه إلى خط سياسي من جهة ثانية. وبقي قرطباوي يحاذر الذهاب بعيداً في التناقض مع صورته كرجل قانون. لكنّ هذا الوضع لم يستمرّ طويلاً. وبناءً على طلب من النائب ميشال عون، أخذ قرطباوي يغلّب الاعتبارات السياسية في الآونة الأخيرة. فمنَعَ القاضي حمّود من إصدار إذنٍ بعرض المضبوطات التي تدين سماحة. وهذا ما حَرَم الرأي العام من المعاينة الملموسة لحجم الأدوات التي جرى تحضيرها لإثارة الفتنة، علماً أنّ رئيس الجمهورية قال إنّه شاهد المتفجّرات بأمّ العين، ووصفها بالمرعبة.
وبناءً على طلب عون أيضاً، يرفض الوزير تقديم استنابة قضائية بحق رئيس مجلس الأمن القومي السوري اللواء علي مملوك و"العميد عدنان"، على رغم ادّعاء القاضي صادر عليهما. وخلافاً لذلك، أعطيت دمشق مجالاً لشنّ هجوم معاكس عملاً بقاعدة: "الهجوم خير وسيلة للدفاع"، فعمدت إلى تحضير استنابات قضائية مضادّة ضدّ قيادات لبنانية. ويشبه ذلك ما قام به وزير الخارجية عدنان منصور عندما رفض الاستجابة لطلب رئيس الجمهورية تقديم كتاب احتجاج على الخروقات العسكرية السورية للأراضي اللبنانية، إلى أن تقدّمت دمشق بشكوى على لبنان…
شربل نحّاس آخر؟
ووفقاً لمصادر متابعة، فإنّ كلّ مظاهر التوتّر التي جرت بعد اعتقال سماحة، كان هدفها تشتيت الاهتمام بالملف والضغط المادي والمعنوي على المعنيّين للتراجع، ومنع استكمال الخطوات الكفيلة بوصول التحقيق إلى كشف الخيوط الكاملة للمخطّط والأسماء الضالعة فيه، تحت طائلة إحداث زلزال سياسي داخلي. فالمطلوب وضع لبنان بين خيارين:
– إمّا الإصرار على استكمال الملفّ بإصدار القرار الظنّي والمحاكمة وكشف الحقيقة في هذا الملف وملفّات سابقة ذات صلة. وسيكون الردّ على ذلك بترهيب واسع وزعزعة للاستقرار.
– وإمّا "لفلفة القضية" ورميها في أدراج النسيان، شأنها شأن العشرات بل المئات من الملفّات المتراكمة منذ عشرات السنين.
وحتى اليوم، تضيع الاتّجاهات داخل بعض المؤسّسات المعنية. وهذا الضياع، في ذاته، يخدم الاتّجاه إلى التعطيل. فمقابل موقف أكثر وضوحاً من الرئيس سليمان، يلتزم الرئيس نجيب ميقاتي موقفاً مطّاطاً، وتتولّى قوى 8 آذار توزيع الأدوار للخروج من المأزق المشترك.
ومن هنا، يبدو حيويّاً انتظار موقف القضاء، ومراقبة الاتّجاهات "اللافتة" التي أظهرها القضاء في الأيّام الأخيرة: هل سيرضخ للضغوط أم سيحافظ على الإنجازات الأمنية والقضائية الاستثنائية التي تحقّقت في الأيام الأولى؟
كما يبدو حيويّاً انتظار موقف وزير العدل: هل سيُغلّب التموضع السياسي أو المصلحة السياسية في ملفّ سماحة وسواه من الملفّات، أم سيحافظ على صورته المهنيّة فيَصِلُ إلى حيث وصل رفيقه في "التغيير والإصلاح" شربل نحّاس؟