#dfp #adsense

“الجمهورية”: هل بدأ بري يُعيد تموضعه الإستراتيجي “شيعياً”؟

حجم الخط

كتب شارل جبّور في صحيفة "الجمهورية":

الكلام عن رئيس مجلس النواب نبيه بري فرضته ثلاث وقائع: النداء الأخير الذي وجّهه ودفع أمانة 14 آذار إلى الاستشهاد بفقرة من فقراته، الهاجس الأمني الذي يعيشه في ظلّ التساؤل عن الجهة المستفيدة من اغتياله، الحراك داخل البيئة الشيعية على غير صعيد ومستوى.

لا يمكن تنسيب حالة القلق على المصير التي تعيشها الطائفة الشيعية إلى حدث محدد بعينه، على غرار الأزمة السورية التي تشكل بالتأكيد أحد العوامل الرئيسية في إطلاق النقاش والحوار حيال مستقبل هذه الطائفة المخطوفة من قبل "حزب الله"، إنما هناك عوامل أخرى لا يجوز إسقاطها أو القفز فوقها، بدءاً من اغتيال الرئيس رفيق الحريري والانسحاب السوري من لبنان الذي رفع الغطاء عن الحزب ووضعه للمرة الأولى في حالة مواجهة مباشرة مع القوى السياسية الأخرى، مروراً بحرب تموز، والتي، بمعزل عن كلفتها الباهظة على هذه البيئة والبلد، تصرّف بعدها الحزب على أنه قائد الأمة الإسلامية، وصولاً إلى أحداث 7 أيار وإسقاط الحكومة الحريرية… وكل هذه الأحداث وغيرها تندرج في سياق واضح هدفه الهيمنة على البلد من مربع مذهبي تنفيذاً لأجندة إيرانية تتصِل بأهداف محور الممانعة.

وقد أفضَت كل هذه التراكمات إلى تناقضات جوهرية في العلاقة بين إيران و"حزب الله"، وبين البيئات الأخرى، وتحديداً العربية والسنية، إلى درجة أنّ المكوّن الشيعي بات غير مرغوب فيه في هذه الدول، فضلاً عن أن تفكك أوصال الدولة السورية وانزلاقها التدريجي نحو الانهيار الكامل سترتد أولى انعكاساته على الحزب، إن على مستوى نفوذه وهيمنته على القرار الوطني المركزي، أو لجهة قدرته على مواصلة استئثاره بقرار الطائفة الشيعية.

فقوّة الحزب ليست متأتية من سلاحه، إنما من وظيفته الإقليمية والدعم الإيراني والسوري له، وانتفاء هذه الوظيفة بعد انهيار حليفه السوري سيحوّله إلى مجرد لاعب داخلي، إلّا في حال إقدامه على مواجهة إسرائيل، هذه المواجهة التي لا يبدو أنّ إيران ستدفعه باتجاهها خوفاً من أن تؤدي إلى القضاء على الورقة الوحيدة المتبقية لها على البحر الأبيض المتوسط.

ومن هنا، فإنّ كل ما تشهده البيئة الشيعية من نقاش وبيانات ومواقف وحراك، وهي مرشحة للاتساع لا الانحسار، مردّه إلى التحولات المفصلية الكبرى الحاصلة على مستوى المنطقة، وتحديداً سوريا. وبالتالي، ضمن إطار هذا المشهد العام، يدخل النداء الوجداني الأخير للرئيس بري وكلامه التوصيفي عن الواقع المُذري الذي وصلت إليه البلاد، وتأكيده أن "ليس من حاضن للجميع سوى الدولة على رغم القصور والتقصير".

لا يجوز إطلاقاً المقارنة بين أداء رئيس المجلس بالأمس واليوم من دون الأخذ في الاعتبار التحوّلات الجارية، فالظروف هي التي تحدد دور برّي ووظيفته على غرار تحديدها دور غيره من اللاعبين، إذ إنّ المعطيات والمستجدات والأحداث هي التي تفرض التموضع بهذا الاتجاه أو ذاك. فرئيس المجلس، على سبيل المثال، كان خاضعاً للتأثير السوري وبدأ بالتحرر التدريجي منه، فيما رئيس الجمهورية تحرر نهائياً من هذا التأثير.

ومن ثم فلكلّ فرد داخل الحزب الواحد حساباته في السياسة، فكيف بالحري مع شخصية سياسية برزت قبل نشوء "حزب الله"، وهي ليست بوارد تحت أي عنوان أن تضحّي بنفسها لمصلحة الآخرين؟ ولكن هذا لا يعني أيضا الاصطدام بالحزب، والذي سيجد نفسه في أمسّ الحاجة إلى برّي كونه مطوقاً من كل الجوانب، وبالتالي

أقلّه أن يكون وضعه متيناً داخل الطائفة الشيعية، الأمر الذي سيدفعه، ربما، إلى اعتماد سياسات عقلانية لحفظ رأسه.

وما تجدر الإشارة إليه أنّ العمق الاستراتيجي لبرّي عربي وليس إيرانياً، ومصلحته المباشرة مرتبطة بالدولة اللبنانية بعد أن أدخل أنصاره داخل هذه الدولة التي يشكل انهيارها الضرر الأكبر له، كما مصلحته في تشكيل شبكة أمان للشيعة الذين باتوا محاصرين نتيجة التطورات المعلومة.

وانطلاقاً من معادلة أنه لا يمكن لأيّ طرف أن يقوى إلّا على حساب الآخر، فالرئيس بري سيكون أكثر المستفيدين من تراجع حضور "حزب الله" ونفوذه. وحتى في أوج قوّة الحزب ومماشاته في معظم خطواته، لم يُسلِّم بالتحالف بين السيد نصرالله والعماد عون، وبقيت العلاقة مع الأخير غير ثابتة وتفتقد إلى عامل الثقة. فيما برّي، وفي عزّ خلافه مع "المستقبل"، ظلّ مشدوداً إلى التحالف مع الثنائي الحريري-جنبلاط.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل المعارضة الشيعية للثنائية الحزبية نجحت في التأسيس لخيار ثالث لديه الحيثية على الأرض ويشكل البديل عن رئيس المجلس؟ وهل قوى 14 آذار لديها خيار وازن شيعياً يسمح لها بتشكيل حكومة بمعزل عن بري؟ وهل ما زال رئيس المجلس يشكل حاجة للمعارضة بغية إرساء تحالف ميثاقي؟

ويبقى السؤال مَن هو المستفيد من إلغاء الرئيس بري؟ وفي الجواب أن المستفيد هو من يريد تجميد الأوضاع داخل الطائفة الشيعية لعدم الإفساح في المجال أمام حيثية سياسية في الربط مع الوقائع الجديدة، لأنّ هذا الربط يعني النجاح في العبور إلى الدولة واضطراره مرغماً إلى الانخراط في هذا المشروع.

 

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل