السّبت الثّالث عشر من زمن العنصرة
قراءةٌ منَ القدِّيسِ برنردوس (+1153) ذكرُ مريمَ في الشَّدائد
أَنتمْ يا من تُدركونُ أَنَّكُم، في مَدِّ هٰذا الدَّهر وجزرِه، لا تسيرونَ على اليابسَة، بل تسبحونَ في بحرٍ بين العواصفِ والزَّوابع، حدِّقوا إِلى هٰذهِ النَّجمةِ حتَّى لا تهلكوا.
إِن ثارتْ عليكُم رياحُ التَّجارب، أَو صدمتكُمُ المحن، فٱلتفتُوا إِلى النَّجمةِ وٱدعُوا مريم.
وإِن أَحاقَتْ بسفينتكُمُ القلقَةِ أَمواجُ الغيظِ أَو البُخلِ أَوِ الشَّهوَة، فٱرفعوا النَّظرَ إِلى مريم.
وإِن رزحتُمْ تحتَ أَثقالِ الإِثم، وأَثخنَتْ نفسكُمْ جراحُهُ المشينَة، وهلعتُمْ من شؤْمِ الدَّينونَة، وأَخذتْ روحكُمْ تغوصُ في لجَّةٍ منَ الحزنِ واليأْسِ، فٱذكروا مريَم.
في المخاطرِ والحيرةِ والشَّدائد، عودوا إِلى مريَم وٱدعوها، ولا يَبرَحَنَّ ذِكرُها شفاهَكُم ولا قلوبَكُم، كيلا تُخطِئَكُم شفاعتُها، ولا تنسوا أَن تتمثَّلوا بها. وإِن أَنتم ٱقتفيتم أَثرهَا، فلن تَضِيعُوا، أَو ٱستغثتُم بها، فلن تيأَسوا، أَو تأَمَّلتُموها، فلن تضلُّوا. فبعونِهَا لا خوفَ عليكُم، وتحتَ حمايتِها لا خطرَ عليكُم. وفي إِثرِها لن يدركَكُمُ العيَاء.
وإِن هي رضيتْ عنكُم. بلغتُمْ مينآءَ السَّلام.
الرّسالة: 1 يو 3: 11-22
11 هٰذه هي البشرى الّتي سمعتموها منذ البدء: أن نحبّ بعضنا بعضًا،
12 لا مثل قايين الّذي كان من الشّرّير فذبح أخاه. ولماذا ذبحه؟ لأنّ أعماله كانت شرّيرة، وأعمال أخيه بارّة.
13 فلا تتعجّبوا، أيّها الإخوة، إذا كان العالم يبغضكم.
14 نحن نعلم أنّنا ٱنتقلنا من الموت إلى الحياة، لأنّنا نحبّ إخوتنا. ومن لا يحبّ يبقى في الموت.
15 كلّ من يبغض أخاه يكون قاتلًا، وتعلمون أنّ كلّ قاتل لا تكون له حياة أبديّة ثابتة فيه.
16 بهٰذا عرفنا المحبّة، أنّ المسيح بذل نفسه في سبيلنا، فعلينا نحن أيضًا أن نبذل أنفسنا في سبيل إخوتنا.
17 من كانت له خيرات الدّنيا، ورأى بأخيه حاجة، فأغلق أحشاءه دون أخيه، فكيف تقيم فيه محبّة الله؟
18 يا أولادي، لا تكن محبتنا بالكلام و باللّسان بل بالعمل والحقّ.
19 بهٰذا نعرف أنّنا من الحقّ، فتطمئنّ قلوبنا أمام الله.
20 فإذا كان قلبنا يلومنا، فالله أكبر من قلبنا، ويعرف كلّ شيء.
21 أيّها الأحبّاء، إذا كان قلبنا لا يلومنا، تكون لنا ثقة أمام الله.
22 ومهما نطلب منه بالصّلاة ننله، لأنّنا نحفظ وصايا، ونعمل ما هو مرضيّ أمامه.
شرح آيات الرّسالة:
11-24 يعرض الرّسول المقياس الثّاني للشّركة مع الله: حفظ الوصايا وخصوصًا المحبّة، لأنّ ٱبن الله أحبّنا وبذل نفسه عنّا. راجع شرح (2/3-11).
11 يو 13/34؛ 15/12، 17؛ 1 يو 2/7؛ 3/23؛ 2 يو5.
12 تك 4/8؛ يو 8/44؛ 1 يو 3/8؛ عب 11/4.
قاين: هي المرّة الواحدة يشير فيها الرّسول بوضوح إلى نصّ من العهد القديم (تك 4/1-8). في مقطع سابق عن المحبّة (2/8-10)، شبّه الرّسول البغض بالظّلمة، وهنا بالقتل (3/13-15)؛ أمّا المحبّة فأشبه بالنّور (2/10)، وبذل النّفس عن الإخوة أشبه بمثال الرّبّ يسوع (3/16).
أعماله شرّيرة: شرح موضوعيّ للطّابع الشّيطانيّ الّذي يتّسم به عمل قاين القاتل (يو 3/19).
13 يو 15/18-19؛ 17/14؛ لو 6/22؛ متّى 24/9.
أيّها الإخوة: صورة المنادى هٰذه لم ترد في الرّسالة إلّا هنا، بعد الكلام عن الأخوين قاين وهابيل، وفي إطار الكلام على المحبّة الأخويّة.
14 يو 5/24؛ 1 يو 2/11.
انتقلنا من الموت إلى الحياة: وكأنّ الموت والحياة منطقتان مفصولتان؛ ولا يعبر من الموت إلى الحياة إلّا سامع كلمة يسوع بإيمان (يو5/24)، ومُحبّ الإخوة، لأنّ المحبّة كمال الإيمان.
15 متّى 5/21-22؛ يو 8/44؛ غل 5/20-21؛ رؤ21/8.
حياة أبديّة: صورة النّكرة تدلّ على أنّ مبدأ الحياة الجديدة الحالّ في المؤمن المحبّ، يبقى فيه قوّة محبَّة وعطاء، لا تنتهي.
16 يو 13/1؛ 15/13؛ غل 2/20؛ 1 طيم 2/6؛ طي 2/14؛ فل 2/17؛ 1 تس 2/8؛ أف 5/2؛ متّى 20/28؛ 1 يو 2/6؛ 4/16.
بذل نفسه في سبيلنا: تعبير خاصّ بيوحنّا (10/11، 15، 17؛ 13/37، 38؛ 15/3؛ 1 يو 3/16)، يعني بذل النّفس الكامل الحرّ، تعبيرًا عن أسمى درجات المحبّة. لا يقصد الرّسول أن يعلّمنا كيف يجب أن نموت عن الآخَرين، بل كيف يجب أن نحيا علاقتنا بالآخَرين.
المسيح: حرفيًّا "ذٰلك". راجع شرح 3/3.
17 تث 15/7-8؛ يع 2/14-17؛ يو 10/33؛ 5/42؛ 1 يو 2/5؛ 4/12.
خيرات الدّنيا: حرفيًّا "عيش العالم". راجع شرح "فخفخة العيش" (2/16).
رأى: اللّفظة اليونانيّة في الأصل تعني النّظر بتمعّن وٱنتباه.
18 يع 1/22؛ 2/15-16؛ متّى 7/21؛ غل 5/6.
لا تكون المحبّة المسيحيّة في كلام خارجيّ فارغ، بل في أعمال صريحة مستقيمة، نابعة من وحي الحقّ والإيمان، الّذي أفاضَه الله علينا في المسيح يسوع. والإيمان الحقّ هو أصل المحبّة وينبوعها.
19 1 بط 4/8؛ مثل 10/12.
أنّنا من الحقّ: "الحقّ"، في الأصل العبريّ، في العهد القديم، يعني "الأمانة" و"الوفاء" لله وعهده مع شعبه، وٱستقامة السّيرة، ومطابقتها على إرادة الله وشريعته المقدّسة. يختصر الرّسول كلّ وصايا الله، وإرادته القدّوسة، في العهد الجديد، بالإيمان بٱسم ٱبن الله يسوع المسيح، وبالمحبّة الأخويّة: من يؤمن (2/21، 22)، ويحبّ (3/18-19)، يكون من الحقّ (يو 18/37)، ويسلك في الحقّ (2 يو 4-6؛ 3 يو 3-6)، ويفعل الحقّ (يو 3/21).
فتطمئن قلوبنا أمام الله: "أمام الله" تعبير قضائيّ. لٰكنّ الرّسول ينقل القضاء إلى قلب المؤمن؛ هناك يمثل المؤمن أمام الله للقضاء؛ أمام الله الآب الرّحيم والمعزّي يَطمئنُّ قلب المؤمن
20 لو 18/13؛ 1 يو 4/4؛ 1 مل 8/39؛ مز 7/10؛ رسل 15/8.
ليس قلبُنا ديّانَنا المطلقَ والأخير. إنّمَا الله الأب الحنون العليم بكلّ شيء، لا بخطايانا فحسب، بل بمحبّتنا أيضًا، هو ديّاننا الأكبر الأحنّ: لذٰلك نُطمئِن قلبنا!
21 1 يو 5/14؛ عب 4/16.
ثقة: راجع شرح 2/28.
22 إر 29/12-13؛ متّى 7/7-8؛ 21/22؛ مر 11/24؛ يو 14/13؛ 15/7؛ 16/23-24؛ 8/29.
الإنجيل
لو 14: 25-35
مَن تلميذ يسوع؟
25 وكانَ جُموعٌ كثيرون سائرينَ معهُ، فٱلتفتَ وقال لهم:
26 "إن يأتِ أحدٌ إليَّ ولا يُبغِضْ أباهُ، وأمُّهُ، وٱمرأتَهُ، وأولادَهُ، وإخواتِهِ، حتَّى نفسهُ أيضًا، لا يقدرْ أن يكون لي تلميذًا.
27 ومَن لا يحمِلْ صليبَهُ ويتبعني، لا يقدرْ أن يكونَ لي تلميذًا
28 فَمَن منكم يُريد أن يبنيَ بُرجًا، ولا يجلس أوّلًا فيحسُبُ نفقتهُ، إن كانَ عندهُ ما يكفي لإكماله؟
29 لئلّا يضعَ الأساسَ ويعجَزَ عن إتمامهِ، فيبدأ جميع النّاظرينَ يسخرونَ منهُ
30 ويقولون: هٰذا الرَّجُلُ بدأ ببناءٍ وعَجَز عن إتمامه.
31 وأيُّ ملِكٍ ينطلقُ إلى مُحاربة مَلٍك آخر مثلهُ، ولا يجلس أوّلًا ويُفكِّر هل يقدرُ أن يُقاوم بعشرة آلافٍ ذاك الآتي إليه بعشرينَ ألفًا؟
32 وإلّا فَما دامَ ذاكَ بعيدًا عنهُ، يُرسِلُ إليه وفدًا يلتمسُ مايؤول إلى السَّلام.
33 هٰكذا إذًا، كلُّ واحدٍ منكم لا يتخلَّى عن كلّ مُقتنياته، لا يقدرُ أن يكونَ لي تلميذًا.
مثَل المِلح
34 جيّدٌ هو الملح، ولٰكن إذا فَسُدَ المِلح، فبماذا يُعاد إليه طعمهُ؟
35 فلا يصلُحُ للأرضِ ولا للمِزبَلة، فيُطرح خارجًا. مَن لهُ أُذنان سامعتان فليسمَعْ!".
شرح آيات الإنجيل:
26-27 متّى 10/37-38.
26 تث 33/9؛ متّى 16/24؛ مر 8/34؛ لو 9/23؛ 18/29؛ يو 12/25-26.
ولا يبغض أباه: النّقل الحرفيّ للتّعبير اليونانيّ هو "ولم يبغض أباه". ولٰكن هٰذا التّعبير يعني، في لغة العهد القديم، وفي مواطن مماثلة (تك 29/31-33؛ تث 21/15-16؛ آش 6/15؛ ملا 1/3): يحبّ حبًّا أقلّ؛ وهٰكذا فسّرها متّى في النّصّ الموازي (10/37). وهٰذا هو معناه في تعبير لوقا هنا، وفي (16/13). فليس المقصود إذا الكره، بل التّحرّر من أيّ علاقة تحول دون حبّ يسوع، فهو أولى بحبّنا وذواتنا (9/57-62).
27 متّى 10/38؛ 16/24؛ مر 8/34؛ لو 9/23.
28-33 مثلان: يتفرّد لوقا بهما، وهما يعنيان ضرورة التّفكير قبل الإقدام على عمل ضخم كالحرب، أو بناء برج. ولٰكنّ الآية (33) تستخلص منهما معنى أبعد: قبل الإقدام على ٱتباع يسوع يجب الزّهد في كلّ شيء.، وهٰذا أضخم عمل يُقدم عليه إنسان.
33 لو 12/33.
مراجعة لخاتمة الآيتين (26، 27)، والآية تجعل من المثلين السّابقين الخاصّين بلوقا (28-30؛ 31-32) دعوة ملحّة إلى الرّغبة عن كلّ شيء في سبيل المسيح (12/13-34؛ 16/1-13؛ 18/24-30).
36 متّى 11/15؛ 13/19؛ 13/43؛ مر 4/9، 23؛ لو 8/8.
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع القراءة: (صلاة الشّحيمة الزّمن العاديّ جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1982).
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلّاح بكرم الرّبّ.