كتب معروف الداعوق في "اللواء":
لم يكن تخريب الموسم السياحي الذي يعتاش منه كثيرون من المواطنين عمداً لهذا الصيف، بفعل سيناريو الفلتان الأمني وعمليات خطف الاشقاء السوريين الآمنين وغيرهم وحملة التهديدات الصارخة ضد الاشقاء الخليجيين بالخطف كذلك، وتنامي ظاهرة قطع طريق مطار بيروت الدولي المدارة من قبل "حزب الله" ولو كانت الواجهة الظاهرية أفراداً من عشيرة آل المقداد المرسومة أدوارهم بعناية تحت عباءة الحزب الفضفاضة، حالة استثنائية ومستجدة، بل عاش اللبنانيون سيناريوهات مشابهة بَرَعَ "حزب الله" بتنفيذها مباشرة وإن إتخذت أشكالاً واحداثاً مختلفة عما حصل لهذا العام ولكن كلها أضرت بموسم الاصطياف واصابت الدورة الاقتصادية في الصميم وانعكست سلباً على مستوى عيش الناس وخصوصاً الذين ينتظرون هذا الموسم ويعولون عليه كل عام.
وبالطبع، يتذكر اللبنانيون بكثير من الأسى يوم الثاني عشر من تموز في صيف العام 2006، وكيف كان الموسم السياحي مزدهراً وحركة قدوم المغتربين والمصطافين العرب في ذروتها، عندما أقدم "حزب الله" على خطف الجنود الاسرائيليين من وراء الخط الأزرق خلافاً للتعهدات التي قطعها الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله على طاولة الحوار الوطني التي كانت ملتئمة في المجلس النيابي قبل أيام معدودة، وكما روى اكثر من مشارك في الجلسة المذكورة، وما تبع هذه العملية من عدوان اسرائيلي مباشر على لبنان إستمر لأكثر من شهر تقريباً واستهدف البنى التحتية والاقتصادية وتسبب بتخريب الموسم السياحي بالكامل وتعطيل حركة الاقتصاد اللبناني بشكل كبير والحق خسائر مادية جسيمة أثقلت كاهل معظم اللبنانيين وأثرت على مستوى عيشهم عموماً، وما تبعها من احتلال وسط بيروت وشل حركتها الاقتصادية.
ولا ينسى اللبنانيون ايضاً الحملة المنظمة التي قادها الامين العام السيد حسن نصر الله شخصياً في شهر تموز عام 2010 والتهديدات الساخنة التي وجهها ضد رئيس حكومة الوحدة الوطنية سعد الحريري وحلفائه في قوى 14 آذار، تحت عنوان ما سمي زوراً آنذاك بقضية "الشهود الزور" المفبركة في أقبية مخابرات النظام السوري في دمشق للالتفاف على المحكمة الدولية الخاصة بملاحقة المشتبه بهم بارتكاب جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وما تسببت به هذه الحملة الشعواء في تسميم موسم الاصطياف والغاء حجوزات آلاف المغتربين والمصطافين على حدٍ سواء، مما حمل وزير السياحة في الحكومة المذكورة فادي عبود إلى القول علناً أن حملة نصر الله أضرت بالموسم السياحي وحركة قدوم المصطافين العرب والاجانب، ثم تراجع لاحقاً عن موقفه بفعل مداخلات وضغوطات مورست من تيار السياسي وحلفائه على حدٍ سواء.
واليوم، يتكرر تخريب موسم الاصطياف وضرب الموسم السياحي في عز الصيف لهذا العام، تحت يافطة أن عمليات خطف السوريين التي تبناها آل المقداد ظاهرياً في اطار ممارسة الضغوط لاطلاق المخطوفين اللبنانيين في سوريا هي خارج اطار سيطرة "حزب الله"، كما أعلن ذلك الأمين العام لـ"حزب الله" في اطلالته التلفزيونية الاخيرة، في حين اظهرت كل وقائع عمليات الخطف والمؤشرات التي رافقتها سياسياً واعلامياً، أنها من إعداد وتنفيذ الحزب بالصوت والصورة ومن ألفها إلى يائها، بالرغم من كل محاولات التنصل منها ظاهرياً، ولكن توقيتها يعطي دلالة واضحة أن الهدف من القيام بها في هذه المرحلة بالذات يبعث بأكثر من رسالة وفي اكثر من إتجاه، وأولها الرد بشكل غير مباشر على عملية القاء القبض على الوزير السابق ميشال سماحة متلبساً بتهمة الاعداد لتنفيذ مخطط ارهابي من قبل قوى الأمن اللبنانية بعدما فشلت كل المحاولات المبذولة في السر والعلن للفلفة هذه القضية الخطيرة التي كشفت بوضوح وبالوثائق والمضبوطات ضلوع القيادة السورية بأعلى هرمها السياسي والأمني بهذا المخطط الجهمني الذي كان يستهدف لبنان وأمنه وسلمه الاهلي، والرد على المواقف السياسية لكبار المسؤولين اللبنانيين من هذه القضية، لا سيما بعدما تردت العلاقات اللبنانية السورية الى الحضيض، ومحاولة افهام هؤلاء المسؤولين بان لا يسيروا في هذه القضية حتى النهاية لان المقابل سيكون تنظيم الانفلات الامني باساليب مبتكرة يحتكرها ويتقنها "حزب الله" على غرار ما حصل مؤخراً.
الرسالة الثانية، محاولة "حزب الله" التنصل من اي مسؤولية للحزب عما حصل للمخطوفين اللبنانيين في سوريا لتفادي اي مساءلة او لوم من اهاليهم تجاهه، لا سيما بعد مطالبة الجهات الخاطفة باعتذار علني من الامين العام للحزب عما بدر منه من مواقف شاكرة وداعمة للرئيس السوري بشار الاسد غداة محاولة الافراج عن المخطوفين قبل حوالى ثلاثة اشهر.
اما الرسالة الثالثة فموجهة من خلال التهديد بخطف مواطنين خليجيين، الى دول الخليج العربي على خلفية دعمها وتأييدها للثورة الشعبية في سوريا، ولاعطاء انطباع بمعارضة هذه السياسة ورفضها واحتمال مواجهتها من لبنان على وجه الخصوص.
ويبقى ان اسلوب الخطف السوداوي المقنّع المستحدث وكل مظاهر الانفلات الامني المنظم وقطع طريق المطار، كلها ممارسات ادت الى الاضرار باللبنانيين وباقتصادهم وامنهم دون غيرهم، وبالطبع لا يهم تخريب هذا الموسم السياحي ولا غيره، ما دام ما يحصل يصب في خانة تأمين مصالح الحزب ورعاته ويحقق اهدافه ولو على حساب مصالح الدولة والشعب اللبناني.