بدا واضحاً أن العماد ميشال عون دخل وفريقه السياسي في سباق مع الزمن، من أجل تحقيق ما أمكن من مكاسب سياسية قبل أن يعاقبه الشعب اللبناني في صناديق الإقتراع في الإستحقاق الإنتخابي المقبل على مواقفه التي غامر فيها برصيده الشعبي، وأحرق كل مراكبه بعد أن إلتحق كلياً بالنظام السوري المتهالك، والمحور الإقليمي المرتبط به، مخالفاً توجهات الشعب اللبناني والرأي العام المسيحي الذي أوصله الى السلطة بناء على خيارات وطنية مختلفة.
وبدا واضحاً أيضاً أن جنرال الحروب الخاسرة والهزائم المتلاحقة يستخدم اليوم كل أسلحته في الجولة الأخيرة من حربه العبثية، من أجل إبقاء أثر له في الحياة العامة، وبات متجهاً الى وضع اليد على السلطة القضائية، لما لهذه المؤسسة من دور في الإستحقاقات الداهمة لا سيما الإستحقاق الإنتخابي، لعلّه بذلك يصل بحطام قاربه الى شاطئ النجاة.
وبحسب معلومات خاصة بـ"المستقبل"، فإن وزير العدل شكيب قرطباوي بوصفه الممثل الأمين للعماد عون ولتياره السياسي سواء داخل الحكومة أم على رأس السلطة القضائية، طلب الى المراجع المختصة في العدلية البدء بإعداد تشكيلات قضائية تكون على مستوى مواكبة المرحلة المصيرية الحالية التي يمرّ بها لبنان في ظل ما يجري من حوله، وعُلم أن الوزير وضع الخطوط العريضة لهذه التشكيلات التي تطال رؤوس النيابات العامة في كل المحافظات، وقضاة التحقيق الأول ورؤساء محاكم الإستئناف والتمييز بما يملأ الشغور الحاصل ويفعّل عمل السلطة القضائية.
ووفق مصادر متابعة فإن خطوة وزير العدل هذه هي "حق يراد به باطل"، لأن ما يرمي اليه الوزير العوني هو أبعد من تفعيل العمل القضائي، وحسن سير مرفق العدالة، إنما التهيئة لمرحلة الإستحقاقات الكبرى والداهمة، وفي مقدمها المجيء بطاقم قضائي من المدعين العامين في كل المحافظات يكون تابعاً كلياً للعماد عون ولحلفائه السياسيين، لما لهم من دور أساسي في إدارة العملية الإنتخابية والإشراف عليها، فضلاً عن دور رؤساء المحاكم في ترؤس لجان القيد التي تصادق على نتائج الإنتخابات أو تبطلها.
ولا يخفي المراقبون أن أبعاد هذه التشكيلات العتيدة تتجاوز إستحقاق الإنتخابات، الى ما يشبه وضع اليد على القضاء أقله لسنتين مقبلتين أو أكثر إذا حقق عون وحلفاؤه فوزاً في الإنتخابات، سيما وأن تجربة الجنرال وبعض حلفائه مع بعض المدعين العامين ناجحة حتى الآن، مثل غض النظر عن بعض الدعاوى والملفات ووضعها في الأدراج إذا كانت تخص التابعين والأزلام والحلفاء، بينما تسير الدعاوى العائدة للخصوم كسرعة البرق، وهذا ما يراد له أن يستمر في مرحلة مقبلة حافلة بالملفات الأمنية والقضائية، وليس أدلّ عليها من الإصرار على عدم إصدار إستنابات قضائية بحق المخلين بالأمن والأجنحة العسكرية التي تفرّخ بين الأحياء والأزقة وتمتهن كرامة المواطنين والدولة، ويمنع بعض المدعين العامين على القوى الأمنية بأمر مباشر من وزير العدل عرض متفجرات الوزير السابق ميشال سماحة واللواء السوري علي مملوك التي كانت قيد التحضير لإغتيال شخصيات سياسية ودينية بينها البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي في عكار، في حين يسارع الوزير وبسرعة غير مسبوقة الى الطلب من المجلس النيابي رفع الحصانة عن النائب معين المرعبي بدعوى قيادة الجيش ضدّه لمجرّد أن عبّر هذا النائب عن رأيه وسأل أين هو الجيش وقيادته من إنتهاك الجيش السوري للسيادة اللبنانية وقتل مواطنين أبرياء وقصف قرى لبنانية حدودية وتهجير سكانها، ووقوفه متفرجاً حيال قطع طريق المطار وخطف الرعايا العرب والأجانب في لبنان.
وبحسب مصادر مواكبة لحركة الفريق العوني، فإن جنرال الرابية "يخوض الآن آخر معاركه على قاعدة "نكون أو لا نكون"، وعلى عدة جبهات ومن المهم ان يكون القضاء، وفي مواقع حساسة تابعة له وهي:
الأولى: قانون إنتخابات على أساس النسبية لا يكون فيه الجنرال قوة ضاربة، إنما يستمد تلك القوة من سلاح الحلفاء الذي يمنع خصومه المسيحيين من الترشح في وجهه في بعض المناطق، ويلاحق أو يضيق على من يتجرّأ على الترشح في مناطق أخرى، كما حصل مع بعض المرشحين المناوئين لـ"حزب الله" في إنتخابات العام 2009.
ثانياً: العمل على تقسيمات إنتخابية، ونقل مقاعد مسيحية من منطقة الى أخرى، كمحاولة الجنرال نقل المقعد الماروني من طرابلس الى جبيل، لعلّه يؤمن من خلاله وصول صهره جبران باسيل الى الندوة البرلمانية، بعدما قطع الرجاء بأن يكون نائباً عن منطقته البترون.
ثالثاً وهي الجبهة الأهم وضع اليد على القضاء من خلال تشكيلات قضائية أوكل عون الى الوزير قرطباوي إعدادها، يكون له فيها التأثير المطلق على مراكز المدعين العامين، نظراً لأهمية دورهم في المعركة الإنتخابية وفي المرحلة السياسية والأمنية اللاحقة، وهو (عون) يلعبها هذه المرة "صولد" لأنه يعرف أن المرحلة المقبلة لا مكان فيها للمساومات، سيما وأن حلفاءه في الثامن من آذار يعانون ما يعانيه من ضعف بسبب المتغيرات الإقليمية، ولذلك بدأ عقدهم بالإنفراط وبعضهم بدأ يبعث برسائل الى فريق الثامن من آذار سواء من تحت الطاولة أو من فوقها علّه بذلك يحافظ على مكانته السياسية في مرحلة باتت فيها قوة المنطق أفعل وأمضى من قوّة السلاح والترغيب والترهيب.
وترى المصادر أن الوزير قرطباوي "غامر برصيده وبسمعته الطيبة منذ أن إلتحق بالفريق العوني وراح يجلس الى طاولته، وبات أسير أهواء وشهوات الجنرال السلطوية"، مبدية أسفها لأن قرطباوي "فقد رصيد تجربته المشرقة والمشرفة في نقابة المحامين وهو ما صحّ عليه المثل القائل "ما دخلت السياسة شيئاً الا أفسدته".
