يؤمن الاخضر الابرهيمي بأن الوصول الى القمة قد لا يكون من طريق سلوك خط مستقيم. فالمتسلق كثيرا ما يضطر الى النزول، كي يعاود الصعود مرة أخرى. لكن الابرهيمي في الثامنة والسبعين فهل يتمكن من منازلة المتاعب الجسدية والنفسية التي قهرها في السابق؟
تروي محاضر جلسات مؤتمر بوتسدام (من 17 تموز حتى 2 آب 1945) بعض الوقائع المثيرة التي تذكر بما يحدث في المنطقة من عنف وارهاب باسم "الربيع العربي".
ومن اطرف المناقشات المسجلة في تلك المحاضر، الجدل الذي دار بين ونستون تشرشل وجوزف ستالين، بحضور هاري ترومان الذي خلف في حينه روزفلت.
كان الثلاثة يتناولون طعام العشاء، وينصتون باهتمام الى مقطوعة كلاسيكية راح يؤديها على البيانو اشهر موسيقار روسي. ويبدو ان ستالين قد تعمد ضم ذلك الموسيقار الى الوفد المرافق لاسباب تتعلق بسمعته الشخصية لعل تلك البادرة تخفي بشاعة ماضيه الحزبي.
لذلك اراد تنظيف تلك السمعة من طريق الايحاء الى تشرشل وترومان بأنه انسان، مثقف، مرهف الحس يستمتع بالموسيقى ويقدر الفنانين والمبدعين.
الا ان هذه المظاهر المصطنعة لم تخدع تشرشل الذي عجز اثناء الاجتماعات عن اقناع ستالين باهمية عقد تسوية تنقذ دول اوروبا الشرقية من الهمينة السوفياتية. لذلك اطلق العنان لغضبه المكبوت عندما فاجأ زعيم الكرملين بالسؤال التالي: هل صحيح انك امرت بتصفية 15 مليون نسمة اثناء حملات التطهير والتصفيات؟
كان ستالين يرشف الحساء من طاسة غرق فيها شاربه، فلم يستطع الاجابة على سؤاله لفظيا. ولكنه استعاض عن صمت فمه، بايماءات من يده اليسرى التي بسط اصابعها الخمسة امام بصر سائله اربع مرات.
وصرخ تشرشل بدهشة: تعني ان عدد ضحاياك وصل الى العشرين مليون؟
وعلق ستالين على حركة الاستغراب التي قام بها تشرشل، قائلاً: يا صديقي. اذا انا قتلت شخصاً واحداً، فان القضاء يعتبرني مجرماً. اما اذا تجاوزت حدود المألوف، وازهقت ارواح المئات او الالوف او الملايين، فان هذه الارتكابات تدخل في علم الاحصاء (ستاتستك).
هذا الاسبوع قدرت منظمة حقوق الانسان العالمية، عدد الضحايا في سوريا باكثر من عشرين الف قتيل. علماً انه من الصعب تحديد الرقم الصحيح لحرب دمرت غالبية المدن والقرى. تماماً مثلما عجزت هذه المنظمة عن تقدير ضحايا المتفجرات في العراق منذ سقوط نظام صدام حسين حتى اليوم.
ومع ان دمشق لا تعترف بهذه المقارنة، الا ان المراقبين لا يرون في المعارك الطاحنة داخل حماه وحمص وحلب ودمشق، سوى نسخة مشابهة لحرب لبنان. اي انهم يتوقعون استمرار الاقتتال والنزف والعنف واتساع رقعة التمزق بين الطوائف بحيث تتعطل كل مؤسسات النظام الذي بناه الاسدان طوال نصف قرن.
ومنعا للوصول الى هذا المنحدر، فقد عهدت الامم المتحدة والجامعة العربية الى الاخضر الابرهيمي بمهمة استكمال خطة كوفي انان. والخطة التي وضعها انان في آذار الماضي، كانت تدعو الى وقف النار، مع انسحاب القوات الحكومية والاسلحة الثقيلة من المدن الثائرة ووقف المعارك يومياً لمدة ساعتين لاسباب انسانية. كما تدعو الى الافراج عن المعتقلين منذ اندلاع حركة الاحتجاج ضد نظام الرئيس بشار الاسد.
بعد مرور خمسة اشهر، استقال كوفي انان من منصبه، معترفاً بفشل جهوده لارساء السلام واعلن في مؤتمر صحافي انه لم يتلق الدعم الدولي والعربي لخطته، الامر الذي ادى الى تصاعد حدة النزاع في سوريا.
وفي 14 الجاري وافقت سوريا على تعيين الديبلوماسي الجزائري الاخضر الابرهيمي، خلفاً لأنان. وربما ساعد على ترشيحه سجل النجاح الذي حققه في انهاء الحرب اللبنانية بعد وصولها الى طريق مسدود. وبسبب قدرته على احتواء كل افرقاء النزاع، بمن فيهم العماد ميشال عون، تمكن من نقل خلافات المتقاتلين الى مؤتمر الطائف بمشاركة 63 نائباً واعتذار عشرة. وقد افتتح الأمير سعود الفيصل في حينه جلسات المؤتمر بعبارة "الفشل ممنوع". ومن رحم هذا الشعار ولد اتفاق الطائف الذي كرس الاعراف الدستورية ومهد للاصلاحات السياسية والاجتماعية.
باشر الاخضر الابرهيمي عمله الديبلوماسي في اندونيسيا سنة 1956 ممثلا للثورة الجزائرية حتى سنة 1961. ومن بعدها انضم الى الحكومة الجزائرية المؤقتة في القاهرة. ثم جرى تعيينه سفيراً للجزائر سنة 1963 حتى سنة 1970. وقبل ان يعين سفيراً في لندن سنة 1971 تزوج من فتاة يوغوسلافية الاصل كان والدها يعمل في الجزائر. وبعد ان امضى ثمانية اعوام في لندن، عاد الى الجزائر ليشغل منصب مستشار، ومن ثم اختارته الجامعة العربية اميناً عاماً مساعداً. وتعرف خلال تلك الفترة على امناء الامم المتحدة، خصوصاً بعد اختياره مبعوثاً خاصاً للمنظمة العالمية في افغانستان والعراق.
ويعترف زملاؤه القدامى بانه كان يستخدم اسلوب رياضة "الجيدو" لتطبيقه على عمله الديبلوماسي. أي الانتصار على الخصم باستنزاف قوته، بعكس لعبة المصارعة. وحدث مرة اثناء وجوده في مدينة بيشاور الباكستانية، ان واجهته بعض المتاعب بسبب اصرار الملا عمر على ازالة صورة محمد علي جناح من قاعة الاجتماعات. وانبرى الملا عمر ليدافع عن وجهة نظره بالقول ان الاسلام لا يقبل الصور وأي عمل آخر فيه تقليد لخلق الخالق. وخشي الابرهيمي ان ينسف هذا الموقف هدف الاجتماع، لذلك اقترح وضع منشفة على الصورة لحجبها عن نظر الملا عمر. وهكذا رضي الزعيم الافغاني بالمشاركة. وعندما كلف آخر الثمانينات بمعالجة الازمة اللبنانية المعقدة، اعترضت سوريا على التعيين بحجة ان عبد الحليم خدام كان مكلفاً بتلك المهمة ايضاً.
وقد ظهر ذلك الخلاف الى العلن عندما اقترح الاخضر الابرهيمي وضع مسألة السيادة اللبنانية، على بساط البحث. اعترض خدام لأن موضوع سيادة لبنان في رأيه، يخص مستقبل العلاقات السورية – اللبنانية. وقال ان طرح مبعوث اللجنة الثلاثية العربية العليا، لا ينسجم مع طروحات سوريا، من النواحي الاستراتيجية والامنية والاقتصادية والاجتماعية. ولكن الابرهيمي لم يتوقف عند هذا الطرح المريب، واستأنف وساطته كأن شيئاً لم يكن.
ومثل هذه المعالجة الهادئة كانت السلاح السري الذي استعمله المبعوث الجزائري لربح معاركه الديبلوماسية. ذلك أنه يؤمن بأن الوصول الى القمة لا يكون من طريق سلوك خط مستقيم. فالمتسلق كثيرا ما يضطر الى النزول، كي يعاود الصعود مرة أخرى. اي مثل نظرية نملة الاسكندر الكبير.
عقب اعلان تعيينه خلفا لأنان اتصل الابرهيمي بمختلف اصدقائه في دمشق وبيروت وعمان، طالباً منهم المشورة والنصح. وتباينت وجهات النظر في تقويم مسألة شخصية تعود بالاصل الى قرار صاحبها الذي دخل في السابعة والثمانين بما لا يساعده على منازلة المتاعب الجسدية والنفسية التي قهرها في السابق. ويبدو أنه مصمم على المساعدة في انقاذ بلد عربي لم يجد منه اثناء ازمة لبنان سوى "الخوازيق" والاعتراضات والعراقيل. وربما تتميز خطته عن خطة انان، بالاندفاع لمنع سوريا من السقوط نهائيا في حرب اهلية قد تؤدي الى تفككها وتقسيمها، كما تريد الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي واسرائيل. وهو كجزائري وكقومي عربي، لا يرى مهمة اشرف من مهمة وقف الحرب الاهلية في سوريا.
وعند هذا الهدف يريد ان يختم اعماله الديبلوماسية، شرط ان يساعده الرئيس الاسد وزعماء المعارضة على تحقيق هذه الأمنية. خصوصا أن سلفه انان كان مقتنعاً بأن المجازر المتواصلة لا تتناسب مع اي هدف سياسي او اقتصادي، يسعى احد الطرفين الى احرازه. وكان يقول للمتقاتلين ان الدماء التي سفحت يمكن تبريرها لو انها ستساهم مستقبلاً في اقامة نظام اجتماعي يتفوق على النظام الذي يعمل الكل على تدميره. ومع ان مهمته الجديدة محصورة بمشكلة سوريا، الا ان الابرهيمي يعرف جيدا ان ما يجري في طرابلس والبقاع هو جزء من الشظايا السياسية التي تطلقها دمشق بهدف تخفيف الضغوطات عنها. بل هذا ما قرأه المراقبون في خطاب السيد حسن نصرالله الاخير، وفي موجة تصعيد العنف في العراق وتركيا.
يقول المفكر فردريك انغلز صديق كارل ماركس في وصف اعمال روبسبيير بأن الارهاب يتألف من افعال غير انسانية يرتكبها اناس مذعورون بقصد تطمين انفسهم.
السبت المقبل، يبدأ الاخضر الابرهيمي مهمته المستحيلة بهدف تطمين النظام واعداء النظام في سوريا، بأن وظيفته قد تنتهي مثلما انتهت وظيفة انان، اذا لم يجد المتقاتلون ارضية سياسية مشتركة تجمعهم كما جمع اللبنانيين مؤتمر الطائف!