منذ اندلاع الثورة الشعبية في سوريا، والنظام البعثي، يستهدف لبنان للمزج بين البلدين، أو لجعلهما حالة واحدة مترابطة، يمكن، انقاذاً لحظوظه الضعيفة في البقاء، أن يلعب هذه اللعبة القذرة.
النظام المنتهي، بقيت سمومه، يريد، بكل ما تبقى له من "جهد" ومن عملاء عندنا، ان يثير فتنة طائفية، مركبة بين السنة والسنة، وبين السنة والشيعة، بين الاثنتين والمسيحيين. لم تنجح مؤامراته، معظم اللبنانيين، من ناس وقيادات، نأت بنفسها عن هذا "الجحيم" الذي يرى النظام انه يحرق لبنان، ليطفئ حريقه. جربها في "طريق الجديدة". ففشلت. جربها بتسريب لائحة سوداء من الاغتيالات "المشتركة"، ففشلت. جربها مع عملائه في جبل محسن عدة مرات وفشلت. والآن يُعيد الكرة، وسيفشل. ثم، ومن بوابة المخطوفين اللبنانيين الـ11. ففشلت. ثم، ومن نافذة المخطوف من آل مقداد، فكانت ظاهرة شاذة، نافرة، مقرفة، متخلفة مفضوحة. وللمرة الأولى، منذ انتهاء الحروب (على لبنان) وكان للنظام السوري النصيب الأكبر بتغذيتها، طلع علينا "الجناح العسكري ـ آل مقداد بالأقنعة السوداء. وبالأسلحة الثقيلة وبعمليات خطف على الهويتين المذهبية والسياسية، وصولاً إلى الأتراك وتهديداً لكل الخليج، بل ولكل السوريين الموجودين في لبنان وربما خارجه! عنصرية عشائرية، مذهبية، يبدو أن حزب الله "رعاها" من خلف الأقنعة السوداء، والقبضات المرفوعة، والأسلحة المتطورة، والخطف المنظم، ليبرئ نفسه على لسان أمينه العام السيد حسن نصرالله وكأن ما جرى في جماهيريته العظمى من هذا الفلتان الأسود، انجاز "إلهي" جديد!
فشل السوريون وعملاؤهم حتى الآن في جر لبنان إلى حرب مذهبية، وفوضى مجنونة. والفشل الأكبر تمثل باكتشاف خيوط مؤامرة دموية لا حدود لها، عندما عثر على الصواعق والعبوات والقنابل، التي أقّلها عميلهم ميشال سماحة. انه علي المملوك من وضّب هذه المتفجرات. فكأن هذا الأخير (ومن فوقه) لم تروِه دماء شعبه، ولم تشبعه جثث الأطفال، في سوريا، فجاء إلى لبنان، ليهرق مزيداً من الأرواح، ويرتكب المجازر الجماعية، والاغتيالات الفردية. فشل ميشال سماحة، كان مدوياً! خصوصاً ان القضاء اللبناني طالب بعلي المملوك… ليس كشاهد بل كمتهم! بعد مسألة سماحة، ونجاة لبنان من كارثة سياسية وأمنية وانسانية، توقع اللبنانيون ان "يضرب" النظام السوري في مكان آخر. ان يجرب جنوناً آخر في بقعة أخرى. ثم جاء الرد: عملاؤه في جبل محسن لبوا نداءه، واعلنوها حرباً على طرابلس، فلعلها تمتد إلى جغرافيات شمالية وغير شمالية أخرى. واستخدم "الجناح العسكري" من آل عيد الأسلحة الثقيلة والصواريخ ولم يوفر لا المدنيين، ولا حتى الجيش اللبناني. فهناك أيضاً العملاء "الأنقياء" في عمالتهم (تماماً كميشال سماحة) . كل ذلك يتم، لتدمير ما تبقى من الدولة اللبنانية. ومن هيبة الجيش اللبناني عبر "استنابات" أو تعزيز قوى أمر واقع ميليشيوية تكون منصات للحروب الطائفية والعشائرية. فالجناح العسكري لآل مقداد في الضاحية (والذي أضعف على الرغم من كل شيء حزب الله) مما أدى إلى اعتراف أمينه العام بعجزه عن السيطرة ولو تبريراً لمشاركته الخلفية، يوازي الجناح العسكري لآل عيد، في جبل محسن، ويوازي كذلك "مشروع" مريب للجناح العسكري لأهل السنة مما يؤدي إلى موازاة مع السلاح غير الشرعي الحزبي والفلسطيني خارج المخيمات، ومما يوازي أيضاً تواطؤ البعض في القوى العسكرية النظامية في أكثر من مكان، لا سيما على الحدود الشمالية. التوازيات، هذه، كلها من رَحمٍ واحدة. رَحِم الوصايتين السورية والإيرانية، لابقاء اللاتوازن قائماً بين هذه الظواهر الطفيلية وبين الدولة اللبنانية، بين قوى الأمر الواقع من عشائر وعائلات وأحزاب (ومنها حزب الله) وبين القوى الأمنية والجيش اللبناني. فيجب، في رأي هؤلاء ان تبقى هذه "الميليشيات" والأجنحة العسكرية التابعة أصلاً لبعض القوى السياسية "المحلية" وللمخابرات السورية متفوقة على الدولة: أمناً وسلاماً وقضاء وسياسة واقتصاداً ونفوذاً وفاعلية وجغرافية لكي تقرر هي الوجهات السياسية الداخلية والخارجية، وشكل الحكومة وهويتها، والنظام وبنيته. كل هذه القوى "الطفيلية" من أول الضاحية إلى آخر جبل محسن مروراً ببعض البؤر الكامنة، ما زالت موجودة تتنامى ظواهر لتكون بديلاً من الدولة، في استراتيجية تقسيمية أقرب إلى الكانتونية الخصوصية (العشائرية والعائلية والحزبية والعنصرية) منها إلى الاستراتيجية الدفاعية أو التحريرية. فأي استراتيجية تحريرية هذه تستنبت داخل المجتمع كل هذه التفريخات المجزئة. كل هذه الأجسام المتفجرة. كل هذه الحروب الداخلية. أترى تقوم الإستراتيجية التحريرية على تكريس "جناح عسكري مذهبي عشائري أو عائلي من هنا وتعزيز وصاية أجنبية من هناك! وهل يمكن استقامة استراتيجية دفاعية، أو تنموية، أو زراعية، أو اقتصادية، عندما يفرخ حزب الله "أجنحة عسكرية" أو مناطق "محررة" وهل يمكن أن تستقيم استراتيجية دفاعية في ظل تفكك اجتماعي وسياسي وبنيوي أو في ظل اضعاف الدولة المركزية لمصلحة دويلات وكانتونات وظواهر فوضى وخراب ودمار وقطع طرقات وإحراق دواليب، وتهديد باغتيالات وبصواعق ومتفجرات. وهل يريدوننا ان نصدق أنهم "جديون" في رفع مثل هذه الشعارات التي عرفنا منها المئات على امتداد خمسة عقود، على لسان "الآلهة" أو الأحزاب الإلهية من يسار أو يمين أو مسيحيين أو مسلمين؟ هيدي "قديمي"! وهل يمكن التفكير بمقاومة ما، او "بممانعة" او مواجهة مع العدو الصهيوني من دون "اجماع" أي بمن حضر من 8 آذار المرتبطين أصلاً بوصايتين ترسختا بقوة السلاح والعنف والغزو وبحكومة تافهة مفككة، مرتهنة، للنظام السوري، ومتواطئة معه على سيادة لبنان وعلى حدوده وعلى أرواح المواطنين وعلى شعار عجيب غريب لم نسمع مثله لا في بلاد الماو الماو ولا في بلاد الغرائب والعجائب: ثالوث الشعب والمقاومة والجيش. هكذا. عندما نقول "الشعب" (بأل التعريف) فيعني كل "الشعب" بكل فئاته وقواه وطاقاته المدنية والانتاجية… وليس "شعباً" مبتوراً، منقسماً، مهيضاً، تنتهك ارادته يومياً بالسلاح والقوة وتمتهن كرامته، ويستذل وتزيف انتخاباته. وتعطل حكوماته عن أي شعب يتكلمون وعن أي معادلة ثالوثية (ويسمونها أيضاً ميثاقية!) ليس فيها من الشعب سوى تصفيق حزبي ضيق من هنا، أو تهليل مذهبي من هناك! بل عن أي شعب يثرثرون، وعن أي كيميائية وهمية، عندما تتخذ قرارات الحرب والسلم باسمه من الخارج، أو من فئة حزبية واحدة ضاغطة وقاهرة، كأن يصرح السيد نصرالله بأنه "لن يأخذ اذناًَ من أحد" في حال قيام اسرائيل باعتداء على لبنان: فأين الثالوثية والمثلث والثالوث، أين معادلة الجيش هنا. وهل ستأخذ رأيه. وأين الشعب وهل ستستشيره ولو من باب "العلم والخبر" بالمجاز أو بالاستعارة أو بالايماء أو حتى بالوشوشة! النظام السوري يريد تدمير لبنان. أحداث فوضى دموية فيه (وهو النظام الذي قام واستمر على الدم). والكل يعرف ذلك. فما هو موقف حزب الله؟ هل يرد على "مخطط" توريط لبنان بحروب النظام باستنباط جناح عسكري من آل مقداد؟ وهل أبعاد خطر "الحروب" المذهبية والطائفية، تقوم على اعلان مدوٍ: تحركات آل مقداد خارج السيطرة" وهل مواجهة "جنون العنف، واستجرار المعارك، والاعتداء العنصري على السوريين، وتهديد بلدان الخليج العربية وتهديد زعامات 14 آذار بالاغتيال، (وصولاً إلى بعض رموز 8 آذار)، بالاكتفاء بالاختباء خلف الأصابع… ودفن الرؤوس في الرمال… واعلان عجز الحزب عن السيطرة على تحركات آل مقداد!
ومن لا يعرف اسطوانة "العناصر غير المنضبطة" وهي ذريعة كانت تمر على أفواه كل الميليشيات والتحركات عندما تفتعل احداثاً… من وراء الكواليس! وهنا لا بد من الاشارة إلى حقيقة بدأت تطفو على السطح: نعم! حزب الله بدأ يتراجع في أمكنة نفوذه امام العشائر والقبائل والعائلات المسلحة. وامام ظواهر الفساد وانتشار المخدرات ومصائبها وتجارة الحشيش وفرض الخوات من قبل تلك العشائر على أهل الضاحية (نتذكر هنا ما حصل لابن السيد عباس الموسوي عندما فرض عليه دفع الخوة 2000 دولار على محله لبيع الهواتف الخلوية ولما تمنع حطّم أحد آل…. فلان أو فلان محله كله! هذا حصل مع ابن الموسوي فما بالك مع الأبناء الآخرين..!) نعم! حزب الله بدأ يعاني وَهناً في مناطق نفوذه في البقاع.. وفي الضاحية.. وربما في الجنوب… فالكانتونية المذهبية تنتج كانتونية عشائرية في طبيعتها ومسحتها وقسماتها. والكانتونية المسلحة تنتج كانتونية مصغرة من معدنها وعنفها. والكانتونية السياسية تنتج كانتونية من فوضاها. والكانتونية الاجتماعية تنتج كانتونية عصبية تؤدي إلى تصدعات داخل الجسم الواحد والطائفة الواحدة والمنطقة الواحدة. انها من ملامح الصراعات المحتملة أو المتوقعة في البؤر المغلقة على نفسها، البؤر الانعزالية: او ليس هذا ما واجهته كل الأحزاب والحركات التي كان لها أن ترسم لنفسها حدوداً كانتونية اثناء الحرب؟ والكانتونية، الفكرية وهي أبشع الظواهر، تنتج نقيضها أو شبيهها، كانتونات لاعقلانية، نرجسية، ميغالومانية، لوناتيكية، جنونية، غريزية، وهذا ما شهدناه ايضاَ على امتداد عقود عندنا.. وها نحن نشهده في ما ارتكبه آل مقداد في الظرف الأخير. كأنه شيء فاق كل ما سبقه. عشيرة تحدثت إلى العالم (كالحزب) وكأنها دولة عظمى، تحدثت كأنها قادرة على تغيير العالم. لكن لم يخبرنا جناحها العسكري، هل دخل ضمن معادلة الشعب الجيش المقاومة، فتصير رباعية مفتوحة على كل العشائر… فخماسية.. فألفية! انها ظواهر التفكك. ومن سمات التفكك الانتفاخ الذاتي، والتورم، والعنف. ظواهر التفكك في جسم حزب الله سيتعزز في هذه الانفصالات التي تبدأ مفردة… وتنتهي جماعية! ولهذا فضبط الأمور الذي كان يتباهى به كان قائماً على القوة، ومفعول القوة قصير الأمد. أكثر: اذا استمر حزب الله في تفريخ متوازيات مذهبية مسلحة، (أو يرعى مثلها أو يغض النظر) فقد يؤدي إلى مزيد من الارتهانات للخارج من قبل هذه "المنظومات" العشيرية أو الحزبية؟ وقد شهدنا أصلاً عدداً لا بأس به من داخل بيئة الحزب، مرتبطاً بالعمالة لإسرائيل. بمعنى ان كل تفكك حتى داخل بؤرة ضيقة سيفضي إلى "انفتاح" عناصرها على كل الخارج الذي يريد للحزب ان يفقد وحدته. سواء بالمال. أم بالجاه. أم بالمنافسة. أو بالمطامح. أو بالطموحات. أو بالسلطة! (أو ليس هذا ما تعرضت له منظمة التحرير عندما اخترقتها الأنظمة العربية من سوريا إلى العراق، إلى ليبيا، فإيران مع حماس؟) لكن الوجه الآخر المخيف لهذه اللعبة العشيرية "العبثية" ان تنتقل عدواها إلى بيئات أخرى، فتعلن كل "بيئة" نمطاً خاصاً من الاستقلالية، عبر تكوين مجموعات مسلحة (تدين للخارج أيضاً)، وعندها يصيب الضعف كل المكونات السياسية والاجتماعية والحزبية لمصلحة العصبيات والعشيريات والقبليات وعندها بالذات تعم الفوضى العارمة، وينعدم الصراع السياسي حتى في حدوده الدنيا! أهذا ما يريده حزب الله! أهذا ما يسعى اليه النظام السوري؟ بل أو ليس هذا ما سعت إليه اسرائيل منذ نشوئها: ضرب كل بنية عربية سياسية قائمة وتشجيع كل اشكال التفكك الاجتماعي والثقافي: فهل يريد حزب الله عبر تشجيع (أو غض النظر) الظواهر العشيرية لتنهشه لاحقاً، وتنهش كل لبنان ، أن يبعث "حلم" اسرائيل بتحويل لبنان مجموعات كانتونات. والعالم العربي وصولاً إلى ايران إلى دويلات عصبية متصارعة؟ وهل يمكن ان يستدرك الحزب، ويعيد النظر في حساباته الضيقة، واستراتيجياته التقسيمية واقنعته العشيرية وارتباطاته البرانية ومخططاته السلطوية في لبنان ونرجسيته الفائضة كسلاحه يرسم حضوراً يتلاءم وكل هذه المتغيرات على الساحة اللبنانية والعربية؟ وهل اعاد النظر بكل هذا وتمخضت عن ولادة آل مقداد كبديل؟ وهل اعاد النظر بتركيبة "جمهوريته" بادخاله العصبية القبلية عنصراً اساسياً من مكوناتها: عندها نقول انها بداية النهاية أو اكثر: انه انخراط حثيث في لعبة النهاية!
لكن يبدو في المقابل ان الرئيس نبيه بري الثنائي التاريخي الشعبي القوي، قد سبق الحزب في معالجة الأمور، وها هو يصرخ "كفى" لا للعشيرية! ولا للفوضى! ونعم للدولة! فجّرها نبيه بري! وهذا يحسب له! واعلن نداء للتمسك بالدولة. وبمؤسساتها وهدد قُطّاع الطرق وخصوصاً طريق المطار… بتكسير أيديهم!
نداء الرئيس بري أيكون بداية تحول شعبي سياسي في محاولة الوقوف في وجه تنامي القوى الكانتونية وظواهر العنف والسلاح والأحلام التقسيمية؟ أم أنه نداء، على أهميته سيلقى مصير نداءات كثيرة واكبته أو سبقتها من كل الجهات؟