المسيحيون في لبنان عامة، لا يحبون الفكر النقدي. أصلاً قلّة منهم فكرها السياسي واضح ومحدد. لذلك، عندما تقول إن ثمّة مسيحيين "أغبياء" في السياسة، فكأنك كفرت بالمسيح. في قاموسهم هناك مسيحيون خونة، ومأجورون، ومجرمون، لكنْ مسيحيون أغبياء؟ فمعاذ الله. نحن أحفاد عبقرية قدموس (هل كان قدموس مسيحياً؟) وبطولة يوسف كرم.
يا ليت للمسيحيين عباقرة بعدد أبطالهم. لو اقتدينا ببعض عباقرتنا، وتركنا أبطالنا قليلا، لمَا وصلنا الى هذا الانحطاط السياسي. نحن نتكلم على الحرية والديموقراطية والكرامة، بلغة مسعورة وفارغة من مضمون القِيم. هناك تيار مسيحي لا يريد لك ان تعيش. يجب ان تبقى غاضبا وناقما وشاكيا وباكيا. انت منذور للبطولة والطهرانية الغبية.
انت خُلقت لتلعن الظلام، وتلعن الآخر. المراجعة النقدية لمسار سياسي يؤدي الى الهلاك، غير مسموح. الاعتذار غير موجود. ديموقراطية بعض المسيحيين فريدة نوعها، ولا مثيل لها إلّا في الانظمة الشمولية. قائدي دوماً على حق.
احيانا، واحيانا فقط، مشكلة قائدي في الدائرة الضيقة حوله. كل تلك العبقرية، و"قائده" لا يعرف كيف يختار مستشاريه. لغة تيار مسيحي عريض، في مؤازرة الجيش كانت شوفينية الى حد الإساءة الى هذه المؤسسة الوطنية. قصر نظرهم لم يصِل الى أبعد من "الجزمة".
ليس الجيش عندهم رمز قيام الدولة وهيبتها. الجيش عندهم ليس الحامي بل الحلّ! رزانة قيادة الجيش أنقذتنا من تلك الموجة المسعورة. المسيحي الغبي لا يمكن ان يكون عزيز النفس وثاقب النظر.
في خضمّ الحرب تعارك حزبا الكتائب والاحرار، وانتصر ابن بيار الجميل على ابن كميل شمعون. أصالة كميل شمعون الوطنية حوّلته "عرّاباً سياسياً" لبشير الجميل. وعندما كان يختلف مع الكتائب، لم يكن يستعمل "حادثة الصفرا" استعمالاً مقيتاً.
غيره يستعملها دوماً وهو حليف ميليشيا العلم الاصفر! ثمّة صنف من السياسيين المسيحيين ينطبق عليهم هذا القول: "حيث تكون الجيفة، تجتمع الغربان". لا يريدون الماضي عبرة، بل جيفة يقتاتون منها. بين "حزب الله" في الضاحية الجنوبية وعين الرمانة والشياح، طريق اسمها "طريق كميل شمعون".
يا لها من مصادفة مُرة. مشكلة المسيحيين ليست بسبب شيعي يريد السكن على الجانب الآخر من طريق كميل شمعون، المشكلة انّ المسيحي لم يعد يفكر بالعودة الى حارة حريك. للتذكير، نجح كميل شمعون في درء التهجير عن دير القمر، وفشل عون في إعادة المسيحيين الى حارة حريك. في ظلّ "تفاهم" عون و"حزب الله"، لم تعد حارة حريك إلّا قلماً انتخابياً للمسيحيين، مجرّد قلم انتخابي فقط لا غير.
لو كان كميل شمعون حياً، وقام حلف رباعي استبعده في دورة انتخابية، هل كان نقل البندقية وانتقل الى الخط المناقض لتاريخ اهله وشعبه العظيم؟ هذا "الشعب العظيم" يمثّله اليوم عشرة وزراء في الحكومة.
لأغاتا كريستي رواية بعنوان "عَشرة عبيد زغار". ما إن وصل هؤلاء العشرة الى مكانهم المقصود واقفلوا على أنفسهم، حتى قُتل منهم تسعة، ثم قُتل العاشر، على رغم انه كان الباقي الوحيد! "عبيد" عون العشرة، ما إن وصلوا الى السراي، حتى قَتلت السلطة تسعة منهم، ثم تكفّل عون قَتل العاشر، وكان اسمه شربل نحاس.
لا تحتاج الى صفات "رجل دولة" لتقول: أريد موازنة قائمة على الإنفاق فقط. تحتاج فقط الى ان تكون "غبياً" في إدارة شؤون الدولة… وأنانياً! وتحتاج الى إغماض العينين عند قراءة تحوّلات الشعوب، لتؤكد أنك بارد القلب وبليد الرؤية.
مشكلة الوزراء العشرة ليست في مصاعب وزاراتهم، وهي مصاعب حقيقية، المشكلة انهم اعتبروا أنفسهم قادرين على اجتراح المعجزات.
هنا كمنت "الغباوة السياسية". لسنوات خَلت، لم يكن العونيون يحبون بائع الكعك السوري. كانوا يرون فيه رجل الاستخبارات المتخفّي. اليوم هم ممتعضون لأنّ ثمّة بائع متفجرات مسيحي اسمه ميشال سماحة، قُبض عليه بالجرم المشهود.
يبدو ان "طبيعة" الاستخبارات السورية تغيرت بعدما اصبح عون حليف بشار الاسد. كميّات القتل اليومي هناك، وعدد الضحايا من بائعي الكعك وعمّال البناء السوريين، من فِعل الموساد و"خلية حمد"… أمير قطر.