#dfp #adsense

إذا كنتَ مصرّاً على المجيء

حجم الخط

من المتوقع أن يزور البابا بينيديكتوس السادس عشر لبنان في 14 و15 و16 أيلول المقبل، لتوقيع الإرشاد الرسولي للسينودس الخاص لمجمع الأساقفة من أجل الشرق الأوسط، الذي سيشكل خريطة طريق لعملهم الرعوي، ولمواجهة الاقتلاعات والعواصف والمتغيرات التي تهبّ على شرقنا العربي وتجعله أمام مصائره المقلقة.

عشية هذه الزيارة التاريخية للبنان المرتجف الخائف، أقول لخليفة بطرس بكلمات متواضعة، لكنْ قوية، أن يأتي، مزوَّداً، فضلاً عن الغاية المعروفة والمعلنة من الزيارة، خطوتين عمليتين، واحدة تتصل بموقف الكنيسة المحلية من الثورات العربية وصعود الإسلاميين، وثانية بما يجب أن تتخذه هذه الكنيسة من إجراءات عملانية على صعيدها الخاص.

سيّدي بينيديكتوس،

لا أعرف الكثير عما يُدَبَّر في العلن والخفاء لشرقنا، شعوباً ودولاً وجغرافيا، ولا مصادر عندي تمدّني بأسرار أجهزة الاستخبارات، وبما يحاك من المؤامرات وفظائع السياسات، ولا بما يثير مصالح الأمم والجماعات وطبائع العشائريات.

لكني أعرف أيها السيّد المبجَّل، بحدسي الشعري، وبغريزة قلبي – وهذه الأخيرة ليست مجافيةً لغريزة العقل – أن ما يحملك على المجيء إلى بلدنا المصلوب بمسامير أهله وأشقائه وأعدائه على السواء، قد لا يكون هذا زمانه الموضوعي المناسب. رجائي أن أكون مخطئاً في التقدير.

لن أخوّفكَ بطريق المطار الذي إذا أغلقه إيعازٌ بعثي أو إلهي، فلن يكون في مقدورك الوصول إلى قصر بعبدا، فضلاً عن ساحة النجمة والسرايا الحكومية، ولا إلى السفارة البابوية، ولا إلى بكركي والديمان، ولا إلى دار الإفتاء، والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، ودار الطائفة الدرزية.

لن أخوّفكَ بطرابلس – وما أدراك ما طرابلس – التي سُمّيت اصطلاحاً طرابلس الشام. لن أخوّفكَ بالعشائر، وبأعمال الخطف، ولا بالقوارير المفخخة، ولا باعتصامٍ هنا أو هناك. لن أقول البتة إنك قد تتعرّض لاحتمالات كهذه، حاشا، على رغم أن فجيعة كنيسة سيدة النجاة الزوقية، قبيل الزيارة الموعودة لسلفكَ الكبير، ماثلة في الذاكرة الجماعية.

أعرف أن ذلك كلّه، لا يخوّفكَ، لأنك تحمل في قلبك قول المسيح: لا تخافوا. ففي جملة ما أعرف أيها السيّد المبجّل، بحكم عِبَر التاريخ، أن كرسيّ بطرس الذي تجلس عليه، لا تثنيه مآسٍ، ولا تخيفه ترهيبات، ولا توهن عزيمته ظروفٌ وتعقيدات، كهذه التي تعصف بلبناننا وبشرقنا العربي. فهذه كلّها، يُفترض أن تزيدكَ ثباتاً على الرأي، ورسوخاً في الإيمان، وعزماً على متابعة الرسالة، وتشبثاً بالأرض التي يعيش عليها أتباع كرسيّكَ الروماني، وأشقاؤهم في الكنائس الأخرى. ليس هذا التفسير من عندياتي، بل أستعين عليه، بما قاله المسيح لبطرس: أنتَ الصخرة، وعلى هذه الصخرة أبني بيعتي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها!

حسناً. إذا ظلّت الزيارة قائمة ولم يحل أيّ سبب موضوعي دون إرجائها، فيشرّفني أن أقترح عليكَ الآتي: أرسِلْ إلى رعيتكَ المشرقية، بل إلى المسيحيين الشرقيين مطلقاً، ابتداء بلبنان، وسوريا، والأردن، وفلسطين، والعراق، ومصر، وسواها من أمكنة عربية، أن يفعلوا ما يُفترَض برعية المسيح أن تفعل، ليس في أوقات الرخاء فحسب، بل خصوصاً في أوقات الشدة الكيانية.

ها هي أوقات الشدة يشتدّ فحيحها، وتطلّ أفاعيها من الأوكار كلّها، فأوعِز علناً، وعلى رؤوس الأشهاد، إلى الرعية في كل مكان شرقي هنا، أن تنهض إلى أداء مهمتها التاريخية الراهنة، المتمثلة في عدم الارتجاف أمام الهول الشنيع، وفي عدم الخنوع، وفي عدم الإحساس بالذمية، وفي عدم التماهي بعد الآن مع المستبد الغاشم، ومع كل نظام ديني استيلائي أو مستبد جديد محتمل، وفي الوقوف بشجاعة، لمواصلة رسالتها أولاً، ثم مواصلة عيشها وحياتها، وتفاعلها الجمّ مع أبناء الأرض الآخرين، التائقين إلى الحرية والمستقبل والأمل، على رغم الموت الذي ينشر غربانه في كل أرض وسماء.

تعرف أيها السيّد المبجَّل، أن الزمن العربي الراهن، هو زمن انهيار المكوّنات التي قامت عليها أنظمة الاستبداد القومية الديكتاتورية التي وعدت شعوبها بالحرية والخبز والكرامة، لكنها لم تقدّم إلى هذه الشعوب لا الحرية ولا الخبز ولا الكرامة، بل زادتها غرقاً في الذلّ والفقر والعبودية.

ثم إن هذا الزمن العربي الراهن، يشهد صعود الإسلامويين في كل مكان عربي. فماذا تنصح لأبناء الكنائس المشرقية – لأمرائها خصوصاً-، يا سيّد، أن يفعلوا؟ ليتك – من باب العتاب الأبوي – تقول لهم أن يطبّقوا التوجيهات والإرشادات الرسولية السابقة، لا أكثر، ليتفاعلوا مع القوى الجديدة التي برزت، ولا سيما القوى الإسلامية، وهو الحدث الجوهري الذي سيغيّر وجه الشرق إلى زمن بعيد.

وانصح لهم أن يكونوا أحراراً أكثر من أي وقت مضى، لا خافئين، وأن يتابعوا رسالة المسيح بكرامة، وبدون ذمية، ها الآن وهنا أيضاً وخصوصاً. فمن شأن ذلك أن يصون كرامتهم، ويثبّت وجودهم المسيحي، والمواطني، ويرسّخ حضورهم الخلاّق، الحرّ والكريم. أليس الدور المطلوب هو، تأسيساً على تجربة النهضة التاريخية، أن يساهموا في رسم معالم "طريق عربية" نحو الديموقراطية؟

لا يخفيكَ أنه قد لا يكون من الجائز والمنطقي، أن تأتي إلى هنا، بدون أن توجّه رسالة، وجودية، كيانية، تاريخية، سياسية، مجتمعية، عملانية، في هذا المعنى، إلى مسيحيي لبنان والمنطقة العربية. فأيّ رسالة توجّه إليهم؟! في المقام نفسه، بماذا تخاطب هؤلاء الإسلامويين؟

هذه هي الخطوة الأولى المزدوجة التي لا مفرّ من القيام بها. فافعلْ. رجائي إليكَ أن تفعل.

من جهة ثانية، إذا كنتَ لا تزال مصمماً على المجيء، وهذا ليس من رأيي المتواضع، فثمة الكثير من أبناء هذه الأرض، علمانيين ومؤمنين، مسيحيين ومسلمين، يقولون لكَ أهلاً وسهلاً بكَ في أيلول المقبل هذا، أو متى رغبت وشئت. أنا نفسي، أرحّب بك، كمواطن مدني علماني، عارفاً أن مجيئك يحمل الكثير من الفرح والحب والأمل.

لكن لي كلمة بسيطة ومتواضعة، أوجهها إليك، ومن خلالكَ خصوصاً إلى رؤساء الكنائس هنا، وإلى المسيحيين: الزيارات مفيدة، بل مهمة، لكن ظروفها قد تكون خائرة، خاوية، وعاجزة، على رغم الشهادة الفذة التي تحملها. المسيحيون يريدون أفعالاً، لا أقوالاً ولا زيارات فحسب، أيها السيد. هم كانوا يريدون تلك الأفعال، من زمان، لكن الكنيسة المحلية، كنيستك، والكنائس الشقيقة، لم تفعل. ولو كانت فعلت، لما كان المسيحيون وصلوا إلى ما هم عليه الآن.

لا بأس. فما لي وللتأسي على ما لم تفعله كنيستكَ المحلية، وشقيقاتها، منذ أزمنة. فلربما لا يزال العمل مفيداً، ولربما لا يزال القول هذا مفيداً. ها أنا أصدقك القول، راجياً أن لا يكون أوانه قد فات.

المسيحيون أيها السيّد المبجّل، يريدون منكَ أن تشمّر فوراً عن ساعديكَ، وأن تنكبّ على الأوراق والمشاريع الكثيرة التي أرسلها إليكَ علمانيون ومؤمنون كثر، من أبناء لبنان، وهذا الشرق، وهي أمامكَ، وأمام مجمعكَ الشرقي، ودوائركَ الديبلوماسية، ومستشاريكَ الكثر، فأوعز من الآن، وقبل مجيئكَ المفترض، إلى عقولكَ الاقتصادية النيّرة، داعياً الكنيسة المحلية، وعباقرتها، لاجتراح الحلول في المال والاقتصاد والتجارة والصناعة والزراعة، ولاختراع فرص العمل الجديدة، من طريق استثمار الأرض لا من طريق وقفها العبثي وعدم بيعها فحسب. فلتفتح كنيستكَ المحلية، وشقيقاتها، المدارس مجاناً، ولتعمّر البيوت مجاناً، ولتنشئ المصانع والمعامل والشركات ما بعد الحديثة، ولتشيّد المصارف والمؤسسات المستقبلية، لتشغيل الناس، وإيجاد سقوف تؤوي الشباب منهم، وتؤمّن فرص عمل وحياة كريمة لهم ولأبنائهم الموعودين.

الآن، لا في أيلول، إفعلْها الآن يا سيّد. أفعلْ خطوتكَ الثانية هذه. رجائي الحارّ والمخلص أن تفعل ذلك. فالكنيسة المحلية، وشقيقاتها، تملك من مال الأرض الفاني ما يمكّنها على الفور من أن تجعل المسيحيين سعداء وأقوياء، فعلاً لا قولاً. فهل تحمل معكَ مثل هذه الأفعال، أم ستكتفي بتوقيع الإرشاد الرسولي، الذي أرجو أن لا يبقى أكثره، كما إرشادات سابقة، حبراً على ورق؟!

المصدر:
النهار

خبر عاجل