الحملة السياسية والاعلامية النافرة، والأخرى الخجولة، على رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان على خلفية مواقفه الأخيرة من النظام السوري، تشي بأمرين اثنين في وقت واحد: أولهما، أن العقلية الشمولية لدى النظام السوري، ولدى حلفائه في لبنان، لا تنظر الى اللبنانيين الا كما عودتهم وعودوها طيلة سنوات: "تكون معنا، والا فأنت عدو"، وثانيهما أن هذه الحال جعلت من المواطنية، وحتى احترام الكرامة الشخصية، نوعاً من وجهة النظر التي يرى البعض أنه يمكن النقاش والأخذ والرد بشأنها.
فلم يقل رئيس الجمهورية الا أن "فعلة" النائب والوزير الأسبق ميشال سماحة، هي من الخطورة بحيث لا بد من ملاحقتها وكشف خفاياها، فضلاً عن اتخاذ التدابير الكفيلة بمنع مفاعيلها، وأن من يقف وراءه يجب أن يعاقبوا بدورهم أقله في سياق علاقات "الأخوة والتعاون والتنسيق" بين لبنان وسوريا. هذا من جهة، ومن جهة ثانية فان مسؤولياته الدستورية تفرض عليه مراعاة مصالح لبنان في علاقات هذا البلد مع بلدان العالم، الشقيقة منها والصديقة، بحيث تبقى هذه العلاقات وتتعزز أو يعاد النظر فيها في ضوء ما تكون في خدمة مصالح لبنان هذه.
وفي ما يتصل بالعلاقة الشخصية بينه وبين الرئيس السوري بشار الأسد (لا يزال رئيساً لبلد شقيق، برغم كل شيء!)، فما قاله الرئيس ميشال سليمان انه ينتظر اتصالاً منه بشأن القضية المشار اليها، على جاري العادة بينهما في مثل هذه الحالات، وأن الاتصال المنتظر هذا لم يتم بعد.
أين "الجريمة" في ما قاله رئيس هذا البلد التعيس، لتقوم قيامة أدوات نظام الأسد من اللبنانيين ضده؟!.
ما ذهب اليه هؤلاء، تصريحاً وتلميحاً وتعليقاً صحافياً، يشير الى أنهم لم يقبلوا بعد، وحتى لم يدركوا كما يبدو، أن وصاية "نظام الوصاية" على لبنان انتهت. بل ربما يكونون، في اللحظة التي يرون فيها ركائز هذا النظام تنهار الواحدة بعد الأخرى، يسعون الى أن يقدموا له ما يتوهمون (ويتوهم هو معهم) أنه يساعده على البقاء. هل تختلف أوهام ميشال سماحة، في "فعلته" تلك، وأوهام سيده في دمشق، عن "الفعلة" التي ذهب اليها حلفاء الاثنين في بيروت من خلال حملاتهم على رئيس الجمهورية؟.
واقع الحال، أن اصرار اللبنانيين هؤلاء على ترديد أن النظام السوري "باق.. باق.. باق" ـ بالطريقة نفسها التي يستخدمونها في الحديث عن سلاح "حزب الله" ـ انما يشكل الوجه الآخر لما يحدث فعلياً على الأرض اللبنانية منذ شهور: نقل متفجرات وعبوات ناسفة (ما اكتشف منها وما لم يكتشف وقد ينفجر في أي وقت)، افتعال اشتباكات مسلحة ذات منحى طائفي في طرابلس، قتل الشيخين أحمد عبد الواحد ومحمد مرعب في ظروف ملتبسة في عكار، قصف مدفعي سوري للقرى والبلدات الحدودية وتوغل قوات وجنود داخل الأراضي اللبنانية، خطف واعتقال النازحين السوريين حيثما وجدوا في بيروت أو الشمال أو الجنوب أو البقاع… وصولاً الى ما يمكن تسميته بـ "الذرائع الجديدة" لدى الحلفاء، تارة بدعوى "الخروج عن السيطرة" وأخرى باسم "الجنون" وثالثة بعنوان "صنائع الرجال" (اقتباساً لمقولة الأسد عن أشباه الرجال")، ورابعة عبر التهديد بأن "أياماً عصيبة جداً" تنتظر اللبنانيين في حال سقوط النظام في دمشق.
وجهان لعملة واحدة؟. لا يحتاج المراقب الى جهد كبير للتدليل على ذلك، والا فما هي دواعي الحملة المنسقة والمتزامنة من وجهي العملة معاً وفي وقت واحد على رئيس الجمهورية لمجرد أنه قال كلاماً من خارج منظومة "الوصاية"… بل لأنه دافع عن لبنان في مواجهة المخاطر التي تتهدده في أساس وجوده: الوحدة الوطنية والعيش المشترك بين أطيافه وطوائفه المختلفة؟.
أم هو دفاع هؤلاء عن أنفسهم هذه المرة، وفق التكتيك المعروف عن "الهجوم في مجال الدفاع"، على خلفية ما باتوا مقتنعين به في دواخلهم عن زوال "الحليف الاستراتيجي" عاجلاً أو آجلاً، ويكونون بذلك كمن يعمد الى "تكبير الحجر" لا لضرب الآخرين بل لتهديدهم، لعل الأمر ينتهي بأن لا يكون السقوط المدوي في سوريا سقوطاً مدوياً آخر في الداخل اللبناني كذلك؟.
أياً تكن الاجابة، فما يشهده لبنان على مستوى طبقته السياسية (التقليدية والطائفية والمذهبية) يثير من علامات التعجب الغريبة أكثر مما فيه تاريخياً من علامات الاستفهام الكبيرة.
سياسيون ينقلون بسياراتهم الخاصة، وقد لا يكون مستبعداً أن يزرعوا بأيديهم، متفجرات وعبوات بين الطوائف والمذاهب وضد رموزها المتقابلة، خدمة لمن يريد من الخارج ـ أو ربما من الداخل أيضا ـ جر البلد الى حرب أهلية!.
وسياسيون يدعون أنهم يمثلون طوائفهم، وحتى معظم اللبنانيين، لا يتورعون عن تغطية الشلل المسلحة وقطاع الطرق وعمليات الخطف، وزراعة المخدرات وتصنيعها وتوزيعها وتهريبها، ثم يرفعون أصواتهم في العلن صارخين: "أين الدولة؟".
وسياسيون يعتبرون أن رئيس الجمهورية هو "بدل عن ضائع"، ويدعون أنهم هم هذا "الضائع"، ولا يتركون مناسبة الا ويتحدثون فيها عن الاصلاح والتغيير مع أن أحداً لم ينس بعد كيف أغلقت ملفاتهم، ثم يصمتون صمت أهل الكهف على محاولات زملائهم هدم الهيكل على ما ومن فيه.
وسياسيون يطلعون على اللبنانيين بقانون انتخابات يصب في خدمة مصالحهم وحدها، لأن قانوناً آخر لم يعد يلائمهم مع أنهم هم الذين أصروا عليه في مرحلة سابقة، ثم يتبارون في شتم الآخرين لمجرد أنهم أبدوا تحفظات عن القانونين معاً باعتبارهما لا يؤديان الى تجسيد ارادة الرأي العام ما دام السلاح غير الشرعي هو الذي يتحكم بالأرض.
عفواً، يجب ألا ننسى أن هؤلاء جميعاً يعلنون ليلاً نهاراً أنهم رأس حربة "التحالف الاستراتيجي" الذي يقف في مواجهة التآمر الغربي على لبنان، وقاعدة المقاومة والممانعة ضد اسرائيل وحماتها، وأساس المد التحرري في المنطقة، كما أنهم لا ينامون ولا يقر لهم جفن ما لم يلفظ "المشروع الأميركي للشرق الأوسط" أنفاسه الأخيرة.
… وهل يعرف بلد في العالم علامات تعجب مثل علامات التعجب اللبنانية هذه؟.