#dfp #adsense

العنف البعثيّ الأسديّ .. ما طبيعته؟

حجم الخط

العنف البعثيّ، الأسديّ .. قبل داريا، وفي داريا، وبعد داريا، ما صنفه، ما طبيعته؟
فاشيّ؟ استبداديّ أسيويّ؟ كولونياليّ؟ كانيباليّ؟ مضاد للثورة؟ عنف ثوريّ؟

في العنف البعثيّ الأسديّ شيء من كلّ هذا.
إنّه عنف فاشيّ طالما أنّه عنفٌ يمجّد نفسه، وينظر إلى نفسه كطاقة حيويّة، ويعتبر أنّ "الحلّ الدمويّ" على هذه الشاكلة كفيل بتجديد الدماء في عروق هذا النظام. وهو كذلك، لأنّه يقسّم السوريين بين فئتين، كما لو كانت كل فئة تنتمي إلى "قوم" بعينه، أحدهما يهدر دمه، لأنّه يسعى وراء انهاء زمن الإستبداد والطغيان والغلبة الفئوية، وثانيهما يوعد بالتنعّم بـ"الإصلاحات" الواهية، كونه استحلّ لنفسه دم الآخر.

لكنّه أيضاً عنف يدرك في نهاية المطاف أنّ الطابع الفئويّ الأقلويّ لنظامه يعني غربة هذا النظام عن الأكثرية المجتمعية، بصرف النظر عن نجاح هذا النظام في اقتطاع أقليّات من هذه الأكثريّة والتحصّن بها، أو نجاحه حتى في تقسيم هذه الأكثرية المجتمعية، السنيّة على الصعيد المذهبي، إلى مجموعة أقليّات إثنية ومناطقية واقتصادية معزولة عن بعضها البعض، في وقت من الأوقات.

ولأجل ذلك، هو أيضاً عنف بسمة كولونيالية. يتعامل مع "القوم" الثائرين عليه على أنّه "سكّان أصليين" في مستعمرة ما وراء البحار، ويعمّم دعاية مفادها أنّ المشكلة مع هؤلاء القوم أنّهم يرفضون الحداثة والتنوير والعلمانية، ويريدون العودة إلى الجاهلية أو الظلامية، في حين أنّه يريد هو، و"الحرس الثوريّ الإيرانيّ" المستقدم لحماية النخاع الشوكيّ للنظام، تلقينهم مبادئ التنوير والعقلانية على أصولها.

وإذا كانت السمة الكولونيالية للنظام الأسديّ تبرز قبل الثورة في حرصه على تقسيمه الناس إلى معازل مفصولة وجدانياً وحياتياً عن بعضها البعض، فإنّها تحضر مع تمادي فصول العنف الدمويّ، بالاتكاء على مقولة "حلف الأقليّات"، والإيحاء لهذه الأقليّات بأنّ مصيرها سيكون مهدّداً بشكل وجوديّ ونهائيّ، في حال سقوط النظام. بالتالي، يعامل رجل النظام البعثيّ نفسه بوصفه "الرجل الأبيض" في مواجهة البدائيين الذين تحرّكهم الدول الأجنبية والمجموعات الإرهابية.

لكنّه يظهر في المقابل، كعنف "كانيباليّ"، أي كعنف بدائيّ يعبّر ولو رمزيّاً عن شهوة أكل لحم البشر، شهوة تقطيع الجثث بالسكاكين، وحصاد غلة دمويّة يوميّة كلّ يوم، صارت تحطّم أرقاماً قياسية في الآونة الأخيرة.
وهو أيضاً عنف يستحضر أجواء الإستبداد الشرقيّ في نسخته السوريّة القديمة، المتعطّشة للإله الدمويّ مولوخ، والغرض من هذا الإيحاء محاولة تصوير العنف البعثيّ الأسديّ لنفسه بأنّه القاعدة التي يتداولها الحكّام في هذه المنطقة من العالم جيلاً بعد جيل، وإنّه إمّا الإستقرار البليد في ظلّ الإستبداد الشرقيّ، وإمّا الفوضى المطلقة التي بمستطاع الإستبداد الشرقيّ أن يتحكّم بمنطق إدارتها، فيعيد بناء صرحه، ولو بعدَ حين.

والعنف البعثيّ الأسديّ، هو بطبيعة الحال عنف معاد للثورة، أي أنّه عنف يقول أربابهم لأنفسهم أنّ الثورة ليست قدراً، وأنّ الثورات منها ما نجح ومنها ما فشل، وأنّ السبب وراء نجاح الثورات هو عدم تصميم الأنظمة على قمعها بشكل شامل وهمجيّ، في حين أنّ السبب وراء اخمادها هو تحديداً الجرأة على قمعها، وعدم الإلتفات إلى أي حاجز أخلاقيّ أو قانونيّ، ولا إلى القيل والقال في الإقليم وفي العالم، قبل أن تلفظ الثورة أنفاسها الأخيرة.

لكنّ هذا العنف هو أيضاً "عنف ثوريّ"، طالما أنّ النظام البعثيّ ينظر إلى نفسه كنظام يستند إلى "شرعية إنقلابيّة"، وليس إلى "شرعية دستوريّة" أو "مؤطّرة قانونياً". إنّه ينظر إلى نفسه كعنف ثوريّ تقدميّ يمارس ضدّ آخر رجعيّ. أو أقلّه هو ينظر إلى ما يجري على أنّه مبارزة بين ثورتين: الثورة البعثيّة المتجدّدة أبداً، والثورة الإسلامية التي بألف روح في سوريا.

في العنف الذي يمارسه نظام الإحتضار الدمويّ شيء من كلّ هذا. مع ذلك، ثمّة ما يجعله عنفاً فاشيّاً ناقصاً: فرق الشبيحة أبعد ما تكون عن الطابع الأيديولوجيّ المنظّم عند الفاشيين، وإن كانت قريبة جدّاً من العناصر الرثّة الأوّلية التي يحتاجها الفاشيّون لتركيب منظماتهم الضاربة في الأحياء والدساكر. وهو كذلك عنف كولونياليّ ناقص: فالشبيحة ليسوا غزاة أتوا من ما وراء البحار، ولا يمكنهم بعد ذلك العودة إلى "الحاضرة" أو "المتروبول" بعد الإنسحاب من "المستعمرة"، كما عاد الفرنسيون من الجزائر مثلاً. وعنف كانيباليّ ناقص: ما عدنا في زمن أكل فيه الفرنجة جثث أهالي معرّة النعمان بعد ذبحهم. وهو عنف استبداديّ أسيويّ ناقص، وعنف ثوريّ ناقص، وعنف ثوريّ مضاد ناقص…

إنّه يبقى على دمويّته الفائقة، عنف نظام هزليّ، أكثر هزليّة من نظام القذافي وبأشواط، لأنّ الدمويّة تتماهى هنا مع ثقل الدم المطلق.
إنّه بإختصار.. عنف خسيس.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل