في خضّم الحرب التي شنّت على لبنان فلسطينياً وعربياً ومن قوى اليسار العالمي، لتركيع شعبه وارهابه، وتفتيت ارضه ووحدته، وتهديم دولته واقتصاده، وتوزّعت هذه القوى بين من يريد ان يحوّله الى وطن بديل للفلسطينيين، ومن يريد ان يسقط سيادته واستقلاله ليضمّه الىه، ومن يحلم بتهجير المسيحيين وتشتيتهم في القارات الخمس، ليحلّ مشاكل المنطقة على حسابهم، ارتفع صوت الراحل الكبير الشاعر السوري نزار قباني الذي احبّ لبنان وعاش فيه واعتبره وطنه الثاني، يندد بالمتآمرين على لبنان، من عرب ومن غير عرب، واطلق في احدى محاضراته تحذيره الشهير «ستقتلون لبنان وتندمون…»
وكان قباني يقصد ان موت لبنان، هو موت للتعددية الدينية والثقافية والسياسية، وموت للديموقراطية والحريات، وموت للفرح والعلم والانفتاح والفن والانسان.
جزء كبير من نبوءة قباني، صحّ، وترجم عملياً على الارض، ولولا صمود المقاومة اللبنانية واستشهاد مئات الالاف، ليبقى لبنان الاباء والجدود والكرامة والعنفوان والحرية، حيّاً، لكان لبنان مات، واذا كانت بطولة هؤلاء وتضحياتهم، انقذتا لبنان من الموت، الاّ انهما لم تمنعا الاصابات الجسيمة التي لحقت به، والتي ما زالت حتى اليوم جرحاً نازفاً في عافيته، لأن البعض من ابنائه في داخل الحدود، وبعض العرب في خارجه، كذّبوا الشق الثاني من نبوءة قباني، ولم يندموا لحظة على ما سببوه من اذى للبنان المنارة، وهم مستمرون في تنفيذ مهمة لم تنجز بعد، ولكنهم مع الأسف، اصبحوا على قاب قوسين من انجازها، لأن لبنان اليوم، يمرّ بأخطر واصعب مرحلة في تاريخه الحديث، لأنه يتفكك اجتماعياً، ويتحلل امنياً، ويتدهور اقتصادياً، ولم يعد حتى بحاجة الى فتنة او حرب ليسقط كالثمرة الناضجة، لأن جميع عوامل الانهيار الاخرى، حاضرة بقوّة وعلى يد جماعات لم تدرك بعد انها تعيد مأساة شمشون الجبار الذي هدم الهيكل على رأسه ورؤوس اعدائه وخصومه.
كل شيء في لبنان مأزوم، حتى الغلاء يشكو الكساد لأن الاموال اصبحت نادرة في يد الاكثرية الساحقة من اللبنانيين.
انتشار السلاح والمسلّحين، المقنّعين منهم والسافرين، قطع الطرقات والساحات والاوتوسترادات والمرافق العامة والخاصة، هرّب السيّاح والزوّار واهل البلد، اقفل ابواب الاستثمار، والفنادق والمحال والمتاجر، كدّس الصادرات في المخازن والمستودعات والبرّادات، شلّ المؤسسات العامة والخاصة، وتسبب في انخفاض حاد بالتحويلات المالية من الخارج، وخصوصاً من الدول العربية التي تعرّضت الى تهديدات بخطف رعاياها من «ابطال» الاجنحة العسكرية.
اضافة الى هذه العوامل، وكثير غيرها، القادرة وحدها على تدمير دول كبيرة، يضطر اللبنانيون الى تحمّل انقطاع الكهرباء والماء وخدمات الاستشفاء، وانهيار الاجور، واستفحال الفساد السياسي والاجتماعي والوظيفي، وعمليات الخطف والقتل والسلب، واغتصاب الممتلكات العامة والخاصة، وتشويه ما تبقى من سمعة لبنان، بحماية زراعة الممنوعات بقوّة السلاح، وحتى يكتمل النقل بالزعرور، تعمد عناصر مسلّحة مدفوعة من الخارج الى افتعال احداث مذهبية وطائفية في مناطق متعددة من لبنان، ابرزها في طرابلس وعكار، وتكشف الاجهزة الامنية، مشكورة، عمليات ادخال عبوات ناسفة الى لبنان، لتفجيرها في مناطق وضد اشخاص، من شأن نتائجها ان تسبب فتنة مذهبية وطائفية، دون ان نغفل ما يمكن ان تسببه عمليات خطف اللبنانيين الابرياء في سوريا، وخطف السوريين الهاربين من بلادهم الى لبنان، واستثمار هذه العمليات المدانة سياسياً ومذهبياً، في خطة اضعاف الدولة لاسقاطها، والتأثير سلباً على محاولات رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان لانقاذ الدولة من السقوط، بأخذه مواقف لا تصبّ الاّ في خانة حماية سيادة لبنان واستقلاله، وحماية الشعب وحقه في السلامة والاستقرار والعدل.
ان دعوة رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع لاعلان حالة طوارئ جزئية، جديرة بالاهتمام والعمل بها، لأنها قد تكون خشبة الخلاص الوحيدة في هذه الاجواء المقفلة في وجه الخير.