كتب فادي عيد في صحيفة "الجمهورية":
عادت الأمور إلى نقطة الصفر على الساحة المسيحية لجهة التباعد السياسي بين الزعامات والقيادات المسيحية، إذ كشفت معلومات عن فشل مساعي بعض المطارنة والوسطاء لوقف السجالات وتفاعل الخلافات بين هذه القيادات، خصوصاً بعد موقف رئيس تيار "المردة" النائب سليمان فرنجية الذي انتقد فيه رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان على خلفية موقفه من توقيف الوزير والنائب السابق ميشال سماحة.
ثمّة أجواء عن انقطاع التواصل حالياً بين الراعي وفرنجية
عُلِم في هذا السياق أنّ لقاء رئيس الجمهورية مع البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، على هامش قدّاس حديقة البطاركة في الوادي المقدّس، تطرّق إلى الشأن المسيحي والوطني والحوار، وثمّة أجواء عن انقطاع التواصل حاليّاً بين بكركي وفرنجية، خصوصاً في ضوء تقاعد المطران سمير مظلوم الذي كان صلة الوصل بين الصرح البطريركي وبنشعي، في حين لوحظ غياب فرنجية عن الترحيب بالبطريرك في الديمان عملاً بالتقليد المتّبع في كل عام.
من جهة أخرى، تحدّثت معلومات عن استياء الراعي من معاودة التعرّض لرئيس الجمهورية ممّا يؤزّم الأوضاع ويعيدها إلى المربّع الأول. ومن هذا المنطلق، تستبعد أوساط مسيحية تلاقي القيادات والنواب الموارنة في هذه المرحلة كتتمّة للقاء بكركي الموسّع، وبالتالي توقّف البحث في قانون الانتخاب حيث المواقف المسيحية متباعدة إلى حدّ كبير حول شكل قانون الانتخاب العتيد، إضافة إلى دعم رئيس تكتل التغيير والإصلاح النائب ميشال عون النسبية وتناغمه في هذا الإطار مع "حزب الله" وقوى الثامن من آذار، ما أدّى إلى خروج عون عن التوافق المسيحي الذي كان حصل في بكركي حول القانون الجامع ما بين القضاء والدائرة الصغرى ومشروع اللقاء الأرثوذكسي.
من هنا، كثُرت التساؤلات في الأيام القليلة الماضية عن المردود المسيحي لزيارة البابا بينديكتوس السادس عشر إلى لبنان في ظل الخلاف السياسي المستشري بين القيادات المسيحية عموماً، والمارونية خصوصاً، لا سيّما في ظلّ ما يعانيه المسيحيون في الشرق أمام التحوّلات والتغيّرات الدراماتيكية في المنطقة، وما هو حاصل في سوريا، وفي إطار الانقسام بين مؤيّد ومعارض للنظام السوري بين مسيحيّي 8 و14 آذار وما يرتّب ذلك من انعكاسات سلبية على الساحة الداخلية، وحتى على مستوى مسيحيّي الشرق.
وفي هذا السياق، يكشف رئيس المجلس العام الماروني الوزير السابق وديع الخازن أنّ الاتّصالات التي أجراها خلال الأيام الماضية مع دوائر الفاتيكان والكنيسة أكّدت حصول الزيارة البابوية، لافتاً إلى أنّ هذا الحدث يأتي في وقته وفي لحظة إقليمية تاريخية بالغة الدقّة ربطاً بما يجري في المنطقة من تحوّلات وأحداث لها تداعياتها على الوجود المسيحي في الشرق، كما أنّ هذه الزيارة المباركة تؤكّد ترسيخ هذا الوجود في لبنان والمنطقة، وأيضاً التفاعل والتلاقي بين المسلمين والمسيحيّين.
أمّا في شأن الخلافات المسيحية ـ المسيحية وعودة الأمور إلى الوراء بعد لقاء بكركي الموسّع، فلفت الخازن إلى اتّصالات يجريها مع مرجعيات وقيادات مسيحية بعيداً عن الأضواء تصبّ في خانة التزام روحية لقاء بكركي الجامع. ورأى أنّ ثوابت المسيحيين في هذه المرحلة يجب أن تصُبّ في سياق دعم رئيس الجمهورية ولا سيّما دوره الحواري، لأنّه الخرطوشة الأخيرة لتلاقي اللبنانيين، إضافة إلى التزام ثوابت بكركي وسيدها.
يبقى أخيراً أنّ الموقف المسيحي سيتبلور قريباً إزاء قانون الانتخاب، وتحديداً بعد زيارة قداسة البابا، حيث عُلِم أنّ اتّصالات بدأت بين مسيحيّي 14 آذار وبقية مكوّنات هذا الفريق، ستُحسم خلال لقاء موسّع قريباً، في حين أنّ الطرف الآخر، ولا سيّما منه عون وفرنجية، ملتزم قرار "حزب الله" وهما يترقّبان مسار الأحداث في سوريا، ما يعني أنّ هناك صعوبة في إيجاد إجماع مسيحي على قانون الانتخاب وعلى عناوين سياسية أخرى، وتحديداً حول النظرة إلى الحوار وسلاح "حزب الله" والأحداث في سوريا.
لكنّ هذا الواقع لا يلغي استمرار المساعي الهادئة لمنع الأمور من الخروج عن السيطرة، علماً أنّ هذه الاتصالات لا تفي بالغرض المطلوب، خصوصاً أنّ دور الرابطة المارونية قد تقلّص في هذا المجال، وعاد التراشق السياسي بين القيادات المارونية على خلفيّات عدة.