كتب غسان ريفي في صحيفة "السفير":
بدت طرابلس يوم أمس مشدودة نحو ترجمة عملية لتثبيت التهدئة في مناطقها الساخنة، وتنفيذ قرارات وقف إطلاق النار الصادرة عن الاجتماعات المتلاحقة التي توزعت بين دارتيّ رئيس الحكومة نجيب ميقاتي والنائب محمد كبارة.
وقد منحت المدينة ثقتها الكاملة لقياداتها السياسية وللجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، وتغلب أبناؤها على مخاوفهم وانطلقوا منذ الصباح الباكر نحو ممارسة حياتهم الطبيعية ففتحت المؤسسات والمحال التجارية أبوابها وشهدت الشوارع زحمة سير غابت عنها لاسبوع كامل.
في الشكل، عاد الهدوء الى طرابلس، ومرّت ساعات ليل أمس الأول وطيلة يوم أمس من دون أي خرق أمني على محاور القتال، أو أي ظهور مسلح، ما سمح لبعض «المغامرين» بتفقد الأضرار اللاحقة بمنازلهم، تحت مظلة من التدابير الاستثنائية التي فرضها الجيش اللبناني على خطوط التماس.
أما في المضمون، فان أحدا حتى الآن لا يملك أجوبة شافية للأسـئلة التقليدية والمزمنة المستمرة منذ أيار من العام 2008 وهي: لماذا فتحـت المعركة؟ لمـاذا توقـفت؟ ما هي أهدافها؟ من أشعل المواجهات؟ من أخمدها؟ هل سـيتم الاكتـفاء بوقف صوت الرصاص أم أن الأعمـال الانمائـية سـتنطلق؟ ومـتى الجـولة المقبلة؟
وتأتي هذه الأسئلة انطلاقا من أن كل الاجتماعات التي عقدت والتدابير الأمنية التي اتخذت، إضافة الى التطمينات التي وردت على ألسنة القيادات السياسية والأمنية والشعبية الموجودة في التبانة والقبة، هي نسخة طبق الأصل عن سابقاتها في إحدى عشرة جولة عنف ماضية.
وكانت هذه التطمينات تسقط جميعها عند أي استحقاق أو أي محاولة تفجير جديدة، خصوصا أن الطرف الثاني المعني والمتمثل بـ«الحزب العربي الديموقراطي» ما يزال بعيدا عن الاجتماعات والاتصالات المحلية، الأمر الذي يجعل أبناء طرابلس غير مقتنعين بكل ما اتخذ من إجراءات على قاعدة «من جرّب المجرب كان عقله مخرب».
وما ضاعف من حدة المخاوف هو رفض مسؤول العلاقات السياسية في الحزب العربي رفعت عيد وساطة مفتي طرابلس والشمال الشيخ مالك الشعار لاجراء المصالحة التي بدأت في العام 2009 ولم تستكمل.
وقد أكد الشعار في هذا الصدد لـ«السفير» أن «ما يهمنا هو أن تحصل المصالحة بغض النظر عن صاحب الوساطة، ونحن لن نتعامل مع رفعت عيد من خلال ما يقوله، لأن كل إنسان يتحدث بحسب الضغوطات والظروف التي يمر بها، ولكن عيد يعلم أنني لست طرفا وما يهمني هو مصلحة طرابلس بكل أطيافها».
وإذ أكد الشعار أن توافقا حصل مع أبناء التبانة والقبة بعدم الرد على أي إطلاق نار يستهدفهم وتسليم مقاليد الأمور الى الجيش اللبناني، شدد على ضرورة العمل على اجتثاث كل أنواع الخلافات بين الطرفين المتقاتلين، لأنهما لا يوجد قضية حقيقية يتقاتلان من أجلها.
في غضون ذلك، أشارت مصادر عسكرية لـ«السفير» الى أن الجيش اللبناني لم يجد شيئا جديدا في البيانات الصادرة عن الاجتماعات السياسية، وهو ينتظر ما ستؤول إليه الأمور لدى تحويل الموقوفين لديه الى المحكمة العسكرية. فاذا حصلت تدخلات سياسية وأدت الى إطلاق سراحهم فان الأمور قد تعود الى نقطة الصفر، أما إذا سارت المحاكمات وفق الأصول والقانون ومن دون أية تدخلات فان ذلك سيؤكد رفع الغطاء عن المخلين بالأمن، وسـاعتها لن يجرؤ أي من المجموعات المسلحة على القيام بأي عمل أمني أو أي تصرف خارج إطار الانتظام العام.
وأكدت المصادر أن الجيش مستمر في تدابيره الأمنية المشددة وفي ملاحقته كل مخل بالأمن، خصوصا بعد المداهمات التي نفذها في الزاهرية والتبانة والقبة يوم أمس الأول، لافتة النظر الى أن الجيش تعاطى مع عائلة الموري في الزاهرية ضمن حادثة أمنية محددة جرى خلالها إطلاق نار من رشاشات حربية، وأنه سيتعاطى بالمثل وبكل قوة وحزم مع أي جهة تقدم على مثل هذا العمل، لأن ما قبل التهدئة ليس كما بعدها بشأن المسلحين.
وينتظر أبناء طرابلس مزيدا من الاجراءات الأمنية لقوى الأمن الداخلي ضمن شوارع وأحياء المدينة، لربط كل المناطق ببعضها البعض وإجراء التنسيق الكامل بين القوى الأمنية المولجة تثبيت التهدئة.
وفي هذا الاطار، اطلع الرئيس نجيب ميقاتي من قائد الجيش جان قهوجي على المراحل التي قطعها الجيش اللبناني في تنفيذ الخطة الأمنية.
وذكرت مصادر رئيس الحكومة لـ«السفير» أنه أبلغ جميع القادة الأمنيين أنه لن ولم يغط أي مخل بالأمن لا سابقا ولا حاليا ولا مستقبلا، وأبلغهم «لو أخل ابني بالأمن في طرابلس.. لن أغطيه»، ولفتت هذه المصادر النظر الى أن ميقاتي مرتاح جدا للجهود التي بذلها النائب محمد كبارة والمبادرات السريعة التي اتخذها من أجل وقف الاقتتال العبثي، وتهيئة الأجواء للوصول الى اتفاق نهائي لوقف إطلاق النار.
من جهته، أكد كبارة لـ«السفير» أن الجميع أعلن التزامه بوقف إطلاق النار، وقال أن الجميع أبلغوا أنه اعتبارا من تاريخ أمـس الأول، كل من يطلـق الرصاص أو يخل بالأمن سـيتم إصدار إسـتنابة قضائيـة ومذكرة توقيف بحقه ولن يجد من يغطيه، مؤكدا أن الجيش سيتعامل مع كل حالة شاذة بالقوة والحزم، وهذا من شأنه أن يعيد الأوضاع في المدينة الى طبيعتها.
وأشار الى أنه سيتابع مع ميقاتي قضية صرف التعويـضات عن الأضـرار البشـرية والماديـة، فضلا عن السـبل الكفيـلة بانمـاء تـلك المناطـق المحرومة عبر الـ100 مليون دولار التي أقرتها الحكومة لطرابلـس.