كتب معروف الداعوق في صحيفة "اللواء":
يُلاحظ أن وتيرة الانتقادات التي يوجهها رئيس المجلس النيابي نبيه بري للحكومة الميقاتية في تزايد مستمر في الآونة الاخيرة، وذلك بالتزامن مع تسارع التطورات الدراماتيكية الجارية على الساحة السورية، وظهور بوادر بداية العد العكسي لانتهاء مفاعيل تشكيلها، بفعل تبدل موازين القوى السياسية التي اوصلتها الى السلطة قبل عام ونصف تقريباً بسبب الانحسار الملموس لفاعلية النظام السوري المنشغل بكل قواه لمواجهة الانتفاضة الشعبية السورية الواسعة، وظهور تململ واضح لدى بعض القوى السياسية المشاركة فيها واتجاهها للتفتيش عن بلورة صيغة سياسية جديدة تأخذ بعين الاعتبار المتغيرات المحلية والاقليمية باتجاه تشكيل حكومة جديدة، يمكنها ادارة السلطة بفاعلية اقوى من الحكومة الحالية، وتكون قادرة على ملاقاة الاستحقاقات المحلية والعربية المهمة بإجماع وطني يحمي لبنان قدر الامكان ويقلل من آثار ونتائج التداعيات المحتملة عليه.
وإذا كانت مواقف الرئيس بري محصورة في البداية بإنتقاد اداء الحكومة ككل من مجمل المهمات المنوطة به، فإن هذه الانتقادات تدرجت مؤخراً لتطال رئيس الحكومة نجيب ميقاتي شخصياً، بعدما كان ذلك ليس وارداً في السابق لاعتبارات لها علاقة بتشكيل صمام امان من حوله وحمايته من خصومه السياسيين وخصوصاً «تيار المستقبل» الذي يتمتع بقاعدة شعبية واسعة وبتمثيل نيابي كبير، لتمكينه من ممارسة مهماته براحة اكبر، وهذا يعني عملياً ظهور تبدل ملحوظ وتعاطٍ مختلف من الرئاسة الثانية تجاه الرئيس ميقاتي شخصياً، بالرغم من كل المواقف الاستلحاقية لتبديد سلبيات المواقف الاخيرة لرئيس المجلس النيابي ومحو الآثار المضرة التي علقت بين الرئاستين مؤخراً.
وتعتقد بعض اوساط المعارضة ان تدرج بري في انتقاداته للحكومة باتجاه رئيسها شخصياً يحمل في ظاهره الاستياء العام من الاداء الحكومي العام، وهو انتقاد يلقى قبولاً لدى الرأي العام نظراً للأداء السيىء الملموس لدى معظم مكوناتها وعدم اهلية العديد من الوزراء لممارسة المسؤوليات المناطة بهم، ولكنه في المضمون يخفي وراءه استياءً شخصياً لعدم انصياع رئيس الحكومة وبعض الوزراء لمطالب ومكاسب شخصية يسعى رئيس المجلس للحصول عليها، إن كان في التعيينات الادارية او امتيازات في بعض الوزارات وتعيين محسوبين عليه فيها كما هو معلوم للقاصي والداني معاً، وهو الامر الذي لم يتحقق حتى الآن، كون مثل هذه المطالب تلقى اعتراضاً وعدم قبول من أكثرية أطراف الحكومة.
وتضيف هذه الأوساط أن رئيس المجلس النيابي يتحمل جانباً لا بأس به من الأداء الحكومي السيئ وتعثر الحكومة من القيام بالمسؤوليات المنوطة بها، لأنه حاول منذ البداية التعدّي على صلاحياتها والاستئثار بدورها كما فعل عندما ذهب إلى قبرص للتفاوض على موضوع الحدود البحرية والنفط خلافاً لكل الصلاحيات التي يمنحه اياها الدستور ولو برر ذلك لاحقاً بأنه اخبر الرئيس ميقاتي بهذا الأمر مسبقاً، ناهيك عن العديد من الانتهاكات لصلاحيات الحكومة في مسائل أخرى كمطالب المعلمين والاتحاد العمالي وغلاء المعيشة وما شابه ومصادرة صلاحيات بعض الوزارات أيضاً، كما حصل في مسألة مياومي الكهرباء وغيرها مؤخراً. ولا يقتصر الأمر عند هذا الحد حسب الأوساط المذكورة، لأن رئيس المجلس النيابي شارك بفاعلية وكانت له اليد الطولى في تركيب صيغة الحكومة الحالية بإيعاز مكشوف من الرئيس السوري بشار الأسد كما يعرف اللبنانيون ذلك، خلافاً لنتائج الانتخابات النيابية الأخيرة، وبذل كل ما في وسعه لإبعاد الأكثرية النيابية التي أفرزتها عن سدة السلطة.
وتعتبر الأوساط المعارضة أن رئيس المجلس النيابي يحاول من خلال تصعيد انتقاداته للحكومة الميقاتية غسل يديه مما آلت إليه ممارساتها الفاشلة وعجزها عن القيام بالمسؤوليات الملقاة على عاتقها وتردي أداء الوزارات والمؤسسات العامة وتصاعد شكاوى المواطنين من انحلال سلطة الدولة على أراضيها وتعطيل المرافق الأساسية بفعل انهيار الوضع الامني على معظم الأراضي اللبنانية، وانعزال لبنان عن محيطه العربي بفعل ممارسات وتهديدات بعض اطرافها كحزب الله والقوى المنضوية تحت لوائه وتبعيته، كما حصل في الأيام الأخيرة وتردي الأوضاع الاقتصادية في مختلف القطاعات والمؤسسات وانعكاساتها السلبية على مستوى عيش الطبقات المتوسطة والفقيرة، في حين انه يتحمل مسؤولية حيِّز كبير من وصولها للسلطة.
وفي الخلاصة، يحاول رئيس المجلس النيابي إعطاء إشارات واضحة لمن يهمه الأمر بانتهاء مفاعيل صلاحيات الحكومة الحالية، وخصوصاً لحزب الله المصر على استمراريتها بالرغم من كل إخفاقاتها، لأنه يخشى الخوض في مجازفة تغييرها قبل الحصول على ضمانات قد لا تكون متوافرة في ظل المتغيّرات المتسارعة على الصعيد السوري وتبدّل موازين القوى في لبنان بفعلها.