للولايات المتحدة والدول الغربية مصلحة مباشرة في عدم التدخل في الازمة السورية. وأسباب النزوع عن التدخل باتت معروفة، حتى ان النظام السوري اصبح يفاخر بها في اطار استقوائه على شعبه، وتهديده بأنه قادر على سحق انتفاضته من دون ان يرف أي جفن خارجي لمنعه من ذلك.
بين الاسباب تراجع شعبية اي قرار رئاسي اميركي بالتدخل في الخارج، وخصوصاً في منطقة الشرق الاوسط، بعد التجربتين المروعتين في العراق وافغانستان. وللتذكير فقد فاز باراك اوباما على انقاض هذين الحربين بعد ان وعد الاميركيين باخراج بلادهم من التورط في الخارج. بين الاسباب ايضاً ان الازمة السورية، على رغم الفظاعات والمجازر التي ترتكب فيها، ليس لها تأثير مباشر على مصلحة المواطن الاميركي، في شكل يسمح بـ «بيع» التدخل انتخابياً على الساحة الداخلية. ليس هناك 11 ايلول (سبتمبر) يمكن توظيفه في هذه الحالة لتبرير التدخل، كما فعل جورج بوش الابن في «غزوتي» العراق وافغانستان. ثم ثالثاً، ليست هناك موارد اساسية في سورية، كنفط وخلافه، يمكن ان يؤثر سقوطها في «الايدي الغلط» على الاقتصاد الاميركي والغربي في شكل عام.
لكن عدم التدخل الاميركي والغربي، واطمئنان النظام السوري الى هذا الامر، ستكون له سلبيات بعيدة الاثر، ليس فقط على الانتفاضة السورية والاتجاه الذي ستسلكه، بل على مجريات الامور في المنطقة كلها، وبالاخص على الدول التي تنهض فيها انظمة جديدة من رحم «الربيع العربي»، كما هي الحال في مصر وتونس وليبيا حالياً، حيث الصراع قائم بين الطابع الليبرالي للمجتمع، كما تأمل اكثرية الحالمين بالتغيير، وبين سيطرة اللون الواحد والحزب الواحد «المنتصر». فعدم التدخل في سورية يدفع المسلحين، في «الجيش الحر» وخارجه، ومع اختلاف وتناقض انتماءاتهم، الى البحث عن معين لهم بالسلاح والمال، في وجه بطش النظام وانعدام توازن القوى، من مصادر لها اجنداتها الخاصة بالنسبة الى الانتفاضة السورية والى طبيعة النظام الذي سيقوم بعدها في دمشق، وربما في عواصم اخرى ايضاً. وعندما يقال إن طابعاً سلفياً اخذ يظهر اكثر فأكثر في الشعارات والسلوك والوجهة السياسية لمسلّحي المعارضة السورية، فإن من الضروري البحث عن ذلك في الغطاء الاقليمي المتوافر لهؤلاء، في ظل غياب الغطاء الغربي، الذي كان يمكن ان يشكل عاملاً موازناً لمصلحة قيام نظام ليبرالي ديموقراطي تعددي في سورية ما بعد الاسد.
وبطبيعة الحال فإن نتيجة كهذه، اي التخويف من سقوط الخيار الليبرالي في بلد معروف بتعدديته الثقافية، هو ورقة في يد اعلام النظام السوري، الذي يزعم انه الحامي الوحيد لهذه التعددية ولمصير الاقليات، وبينها طبعاً الاقلية العلوية.
يقول مسؤول في «المجلس الوطني السوري» رداً على التردد الغربي امام التدخل في سورية: «اذا لم يشارك طرف ما في الثورة لاسقاط نظام الاسد فمن الصعب ان نجلس معه بعد انتصارها للبحث في هوية النظام البديل». وهذا ما يدفع الى القلق بالنسبة الى مصير «الربيع» السوري الموعود. فبقدر ما تبتعد حظوظ التدخل الغربي، سوف يطول عمر النظام ومعه سيزداد بطشه، وفي موازاة ذلك ستزداد قوة التيارات السلفية المقاتلة في صفوف المعارضة، والتي لا تتفق رؤيتها لمستقبل سورية مع رؤية اكثرية السوريين، بمن فيهم اكثرية المعارضة.
أليست هذه الورقة القوية التي يستغلها النظام السوري مستفيداً بالضبط من غياب اي دور غربي في سورية، وكأن القتلى فيها مجرد ارقام؟