ما أهضم اللبنانيين وهم يتفاجأون بآل المقداد، وما أغرب هولهم أمام واقعهم! يا للمفاجأة. يا للصّدمة. في لبنان عشائر؟ وذات جناح عسكري أيضاً؟ ألهذه الدّرجة لا يعرف اللبنانيون خيوط العنكبوت الحديد التي تكبّلهم، وتمنعهم من العبور إلى حلم الدّولة القويّة، أم أنهم صدّقوا أساطير الدّساتير التي سطّروها، وصدّقوا أنّ تحت قبّة برلمانهم أكثر من تجمع عشائر، منذ ان كانت "مطربشة" و"معقلة"، الى أن أصبحت "مكرﭬتة"، وصولا إلى اليوم، حيث ظهرت "مقنّعة"؟ أنا لا أعلم أين العجب في أن يُخرج السّاحر من قبّعته… أرنباً آخر. وهو لم يُخرج نمراً أو تنّيناً، بل أرنباً ككلّ الأرانب في قبّعة السّحرة! ساحر الجماهير، أي بلد الأرز، أي لبنان، أي الوطن الرّسالة، أي الوطن السّرمدي. ذاك الذي يجعلك تظنّ أنك تعيش حقاً في ظلّ ديموقراطيّة تشريعيّة، تنفيذيّة، قضائيّة، مع كلّ مظاهر التحضّر، ما هو إلا ملتقى عشائر من البدو التي يمتدّ رحالها من الخليج العربي إلى إفريقيا السّوداء، ومن شواطىء أوستراليا إلى أميركا اللاتينيّة، تجمع المال والرأسمال، تتأقلم مع الصّحاري والأدغال، وتُبقي مضاربها الأساسيّة، أرض الأجداد، متحجّرة في قوالب رجعيّة تقليديّة، إقطاعيّة وعشائريّة.
العشائر كانت، ولا تزال، تحكم لبنان بأسماء العائلات، وبالمذاهب والعقليّات. هكذا كنا وهكذا سنبقى. اليوم آل المقداد، والبارحة آل الخازن وآل أرسلان وآل جنبلاط وآل الجميّل وآل فرنجيّة وآل كرامه… (أكتفي وعذراً فالقائمة طويلة). لا تقل "الـ" ديموقراطيّة في لبنان… بل "آل" ديموقراطيّة. لزعماء العشائر تُرفع اللافتات وتُنحر الخراف، وصَوبهم تحجُّ الجموع، وفي مجالسهم تبييض الوجوه والألسنة.
كلما أتانا رجل دولة، إلتهمته العشائر. أنظروا ماذا فعلوا برياض الصّلح، وبفؤاد شهاب، وبريمون إدّه… حتى ذاك الذي أتى أخيرا غصباً عن العائلات، وجاء برؤية مستقبليّة، وفرض نفسه بنكهة الحداثة وثقافة الإنفتاح العالمي؛ إغتالوه فانتهينا بـ"آل" جديدة… "حريري". هكذا هو اللبناني، يُحبّ الزعماء ويكره رجال الدّولة. ما من حزب أسّسناه إلا وتحوّل عشيرة ومذهبا، وأصبح مبنيّاً على بوس اللحى، والحقد الغريزي، والثأر… ناهيك بالقتل. وهل "طائفنا ودوحتنا" إلا توثيق للصّكوك العشائرية؟
لبنان المؤسّسات طفل مات في رحم أمّه، ونحن نعيش على أمجاد أيّامه المعدودة. والسّاحر مات قرب قبّعته التى ما زالت تعشّش فيها الأرانب من "آل قديمة إلى آل جديدة".
آل المقداد، لا تُخيفنّكم أقنعتهم السّوداء، بل خافوا من الأقنعة الشفافة.