حتى البارحة، لم تكن الدولة اللبنانية بعد مرور اكثر من 24 ساعة على تهديد رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو بتدمير "دولة لبنان" قد ردت عليه بكلمة او تعليق.
لم يعد نتنياهو يخيف لبنان حتما. وكيف لدولة لبنان ان تخشاه، او حتى تقيم وزنا لتهديده وهي الغارقة في كل ما يسخف هذا الوعيد الفارغ لانها تعرف ان كبير عتاة الصقور الاسرائيليين يضحك في سره ولن يضطر الى غزو لبنان الذي تجتاحه الفوضى، اقله في المدى المنظور.
بطبيعة الحال ليست كل فوضى هي حالة مؤاتية لاسرائيل.
ولكن في المشهد اللبناني الطالع ثمة ما يخيف فعلا في اتجاهين. اتجاه تعميم الفوضى وتفكيك بقايا الدولة مما يهدد بزحف هذه الفوضى حتى المنطقة الحدودية الجنوبية التي تنعم منذ صدور القرار 1701 بهدوء مشهود قلما عرفته سابقا. واتجاه تعميم الفتنة المقنعة والسافرة في آن واحد مما يغني اسرائيل او يوفر عليها اطلاق شرارة الجحيم.
وما يستدعي التوقف عند تهديد نتنياهو، والذي يفترض ان يؤخذ على كثير من الجدية، هو ان تكون اسرائيل منكبة كليا على سيناريوات الفوضى اللبنانية الموصولة كنذير اول الى اعتبار لبنان الساحة الاقرب احتمالا الى انهيار الستاتيكو الاقليمي السائد منذ عام 2006، في حين ان هذا النذير غاب عن مجرد الالتقاط والرصد لدى "دولة لبنان".
وهو امر يرقى الى مستوى مفجع اذ يعاين اللبنانيون تآكلا يوميا في سلطة الدولة عبر ظاهرة الطفيليات الامنية التي تغزو البلاد كالفطر المتنامي، وتحلل القدرات الامنية والعسكرية في حروب الشوارع والمدن كمحنة طرابلس، ناهيك عن استشراء منطق الامن بالتراضي والتسليم لمشيئة كل سلاح خارج عن الشرعية، "استراتيجيا" كان ام ميلشيويا ام فرديا. ولعل الاسوأ اطلاقا ان تحفز هذه الفوضى على عودة شبح "الامن الذاتي" للمجموعات الدينية والمذهبية والحزبية والعشائرية في عدوى ان لم يجر تطويقها سلفا ستهدد في وقت غير بعيد بتفكيك كل ما يتبقى من اواصر دولة "كانت" مسماة سلطة مركزية.
ولا داعي للابحار ابعد في عقم الرهان على حوار الاستراتيجية الدفاعية الذي لو كانت لغيومه ان تحمل مطرا لكان الامر حصل في غير الظروف المأزومة الراهنة. ومع ذلك، ليس مطلوبا الرد على نتنياهو بالعنتريات الكلامية بل بحد ادنى من "دولة" تعيد تأكيد وجودها على الارض و"تستقوي" على الاقل على خاطفين وشبيحة احياء وقطاع طرق ومجرمين يتحولون يوميا، من حيث يدرون او لا يدرون، اداة التهديد الفعلية لنتنياهو بضرب "دولة لبنان".