يعربد دموياً بشار الاسد في ما تبقّى له من وقت وسلطة. ويفترض أنه بذلك يحافظ على تلك البقية السلطوية مدعوماً بمدَد إيراني كاسح ولا تعوزه الوقاحة، فيما هو يوغل في السقوط ويكاد أن يعانق التلاشي والاندثار.
والحال، ان ذلك المدد بدا في الآونة الأخيرة وكأنّه تعويض عن ضمور مزدوج. واحد أصاب ويصيب الآلة العسكرية والأمنية الأسدية بفعل طول مدّة "انتشارها" وعملياتها وارتكاباتها وخسائرها و"إرهاقاتها". والثاني تراجع مساحات السيطرة السلطوية الصافية إلى حدود غير مسبوقة، وصولاً إلى المربّع الأساسي في قلب العاصمة دمشق.
وذلك المدد يكاد أن يخرج من ثيابه: واضح وعلني في السياسة والإعلام كما في المال والعتاد.. والمعارضة تصرّ وتؤكد انه يصل إلى الرجال والقتال! وبذلك تلعب إيران على المكشوف "وتؤكد" ما قاله وليد المعلم من أنها تنظر إلى ما يجري في سوريا على أساس كونه مواجهة مع واشنطن! باعتبار أنّ أهالي داريا، نساءها وأطفالها وعجّزها وزينة شبابها التي سُفكت دماؤهم وتقطّعت أوصالهم وأنسالهم ودُمِّرت بيوتهم وهشل مَن بقي منهم، إنّما هم فصائل مقاتلة في "المارينز" الأميركي! ووجُب "شرعاً" إنزال السكاكين والخناجر في رقابهم وقطع شأفتهم مرّة واحدة وأخيرة!!
صارت سوريا اليوم مسرحاً لاستعراض الهيجان الشعاري الإيراني القائل "بتحطيم مخططات الصهاينة والأميركيين".. تماماً مثلما هو لبنان في عُرف أهل ذلك الشعار وأصحابه الحصريين، جزء من ذلك المجال "الجهادي" المفتوح وعلَم من أعلام مقاومة المستكبرين، ولا يهم الثمن طالما أنّه مدفوع من دماء اللبنانيين والسوريين.
.. تلعب كعادتها إيران في أرض غيرها. تجمع أوراقاً من دماء المسلمين والعرب. من افغانستان إلى سوريا ولبنان، إلى غيرها من دول وأوطان ومجتمعات ترى فيها مجالاً للاستثمار والبناء ومدّ النفوذ، وتتعامل مع ذلك بجليدية ضميرية لافتة، لا تذيب قطعة منها، حرارة الدماء المسفوكة ولا عوامل الأنسنة في كل معانيها ومراتبها ولا روابط الدين في أساسياته! بل والأغرب من هذا كله هو أنّ المناخ السياسي والتعبوي والتقريري في طهران يتغنّى بمواقفه، ويشيعها باعتبارها جزءاً من أداء مقدّس! يبحث عن أفضل طريقة لصون المسلمين! وتحطيم أعدائهم! انطلاقاً من بديهيات ثورة قامت ضدّ الطغيان والمستكبرين، ودولة بُنيت لخدمة المستضعفين وإنصاف المظلومين وردّ الحقوق المسلوبة إلى أصحابها التاريخيين!
شواهد تهافت ذلك البنيان الشعاراتي كانت كثيرة قبل سوريا وزادت كمّاً ونوعاً ولمعاناً بعدها وبعد داريا. والحال، إنّ بحوراً من الفرقة صارت تفصل المنطق الإيراني عن منطق سائر العرب والمسلمين أينما كانوا. وما عاد أحد، على الضفة الأخرى لبحر الأحزان هذا، يفهم تماماً ماذا تريد إيران؟ وما هو أفق مشروعها الامبراطوري الطموح والجامح؟ وأين يقف؟ وما هي الاعتبارات التي لا يمكن أن يتخطاها؟ وما هي المسلّمات والمقدّسات التي لا يمكن أن يُتاجر بها؟! ولا تسمح له منطلقاته وأدبياته والتزاماته وفتاويه بالنظر إليها انطلاقاً من مصالحه الذاتية والآنية والمستحيلة!