لم ينجح الهجوم المعاكس الذي شنه النظام السوري في طمس الحقائق الدامغة حول تورطه المباشر وعلى اعلى المستويات في تفجير لبنان، بعدما وقع الوزير والنائب السابق ميشال سماحة بالمصيدة وانكشف امر تشغيله من مدير مكتب الامن القومي السوري اللواء علي مملوك في مخطط لتنفيذ اغتيالات وتفجيرات في شمال لبنان.
بعد الايقاع بسماحة على نحو يشبه اكثر الافلام المخابراتية إثارة، وقبل ان يُنشر غسيله على الملأ وما تضمنته لقاءاته مع المخبر المنشق واعترافاته في التحقيق، حدث في لبنان ما هو غير متوقع، ففي اللحظة التي نأى حلفاء سوريا بانفسهم عن ملف سماحة ـ مملوك انفجرت فوضى عارمة وكأن في الأمر كبسة زر… خرجت "اجنحة عسكرية" لعشائر الى العلن واشتعلت مدينة طرابلس بجولة جديدة من العنف القاتل.
ففي تقدير اوساط واسعة الاطلاع في بيروت ان النظام السوري الذي يصارع الموت تلقى ضربة قاسية على الرأس، يمكن تلمس اضرارها على النظام من خلال رصد ردات فعله. وقالت هذه الاوساط لـ"الراي" الكويتية ان التدقيق في المشهد الذي استجد بعد توقيف سماحة يعزز الاعتقاد بان النظام السوري شن هجوماً معاكساً لإحداث غبار كثيف بغية التعمية على الوقائع المذهلة في ملف سماحة – مملوك.
ورأت هذه الاوساط أن خطف المواطن اللبناني حسان المقداد على أيدي مجموعة ادعت أنها تنتمي الى "الجيش السوري الحر" هو فعل ارتكبه النظام وحرك في ما بعد عشيرة آل المقداد التي يمون عليها اكثر مما يمكن الحديث عن خضوعها لسلطة "حزب الله"، ربما كان يهدف النظام في مخططه الى التمهيد لانفلات الوضع الأمني في لبنان وإحداث موجات من الخطف والخطف المضاد على النحو الذي يضرب الاستقرار ويجر البلاد الى حرب تملك كل المقومات الموجبة لاندلاعها… ولا تندلع.
واستغربت تلك الاوساط توقيت قصف مدينة أعزاز، لافتة إلى إنه في غضون ساعات قليلة يخطف شخص من آل المقداد، تتحرك عشيرته وتخطف العشرات ثم يشن النظام السوري هجوماً جوياً على منطقة أعزاز المكان الافتراضي لوجود المخطوفين اللبنانيين الـ11 قبل أن يتبين أنهم في مكان آخر… ألا يطرح كل ذلك علامات استفهام حول الغاية من هذه الحوادث المتزامنة وتوقيتها؟.
وإذ لاحظت ان محاولات النظام السوري نقل النيران التي تلتهم بنيانه الى لبنان تفشل واحدة تلو الأخرى، توقعت الا يتوانى أو يتقاعس عن المحاولة مرة تلو الاخرى.
قضية سماحة كانت إحدى المحاولات الفاشلة بامتياز، فملف توقيفه متكامل مهما حاول فريقه السياسي التذاكي للدفاع عنه، أما التذرع بغياب العميل ميلاد كفوري فهو بحسب مطلعين أمر غير قانوني ولن يخدم سماحة لأن المخبر محمي بموجب قانون أصول المحاكمات الجزائية.
وقع سماحة في الفخ وانتهى ملفه لكن القضية لم تقفل بعد، وبحسب الاوساط عينها فإن ثمة متفرعات أخرى للقضية تبدأ بالتدقيق بهوية الشخص الذي رافق سماحة في طريقه ولا تنتهي بتحليل العبوات ومقارنتها مع مثيلات استخدمت في عمليات اغتيال وتفجيرات سابقة.
لا تخفي الأجهزة الأمنية، بحسب تلك الاوساط، شكها بأن شخصية لبنانية مثيرة للجدل قد تكون رافقت سماحة في طريقه من دمشق الى بيروت خلال عملية نقل المتفجرات، لاسيما وأن الاجهزة تلقت اخباراً من شاهد أبلغها فيه أنه رأى تلك الشخصية في سيارة سماحة خلال عبورها الحدود من سوريا الى لبنان. وفي هذا الإطار يمكن وضع عمل الأجهزة الأمنية وفحوصات الـ"دي ان اي" التي تجريها على مقاعد سيارة سماحة للتأكد من صحة المعلومة.
غير أن الأمر الاكثر إثارة يرتبط بطبيعة المتفجرات التي حملها سماحة من مكتب مملوك، وبينها عبوات لاصقة صغيرة شبيهة بتلك التي استخدمت في عمليات اغتيال ومحاولات اغتيال شهدها لبنان بعد العام 2005، لا سيما تلك التي استهدفت سمير قصير، جبران تويني وجورج حاوي ومي شدياق.
ولم تستبعد تلك الاوساط ان تعاود عبوات سماحة – مملوك فتح اعين التحقيق على خفايا الجرائم التي ارتكبت ضد شخصيات لبنان، فأوجه الشبه من شأنها تعزيز الشبهة حول مصدر المتفجرات التي استخدمت في عمليات اغتيال سابقة.
وفيما تعمل الأجهزة الامنية على تحليل هذه الحوادث والتدقيق فيها للوصول الى اليقين، عبرت الاوساط عينها عن "فرح حزين"، فرح لانكشاف المخطط وحزن لما كان يمكن ان يحدث من مجازر لو انفجرت العبوات التي نقلها سماحة، لافتة الى أن فعل الندامة الذي تلاه سماحة خلال التحقيق معه لا يخفف من خطورة ما كان يحضر له.
اسئلة كثيرة أطلقت عقب توقيف سماحة عن السبب وراء اختيار النظام السوري لسماحة، ردت هذه المصادر بالقول إن "الرغبات السورية نفذها سماحة، لأن لا "حزب الله" ولا غيره من الأحزاب الموالية للنظام السوري تستطيع أن تسلف النظام الذي شارف على الانهيار.
لـ"حزب الله" أجندة لا تتطابق حالياً مع الاعتبارات السورية، وهو لا يريد أن يحمل وزر دماء، كرمى لعيون نظام متهاوٍ.