سيذكر التاريخ عائلة الاسد على أنها دمرت سورية مرتين: الأولى سياسياً واقتصادياً ومعنوياً، عندما عملت طوال فترة حكمها القائم على مبدأ الترهيب، على خنق أي معارضة من أي توجه كانت، وعلى تفكيك النسيج الإجتماعي السوري وإعادة صوغه في خدمة نظام أمني بالكامل، تتبعه وترتبط باستمراره شرائح مستفيدة نفوذاً ومالاً على حساب افقار غالبية الشعب وتهميشها. والثانية مادياً، عندما لم تتورع عن التدمير الفعلي للمدن والقرى والاحياء المنتفضة ضد سلطتها باستخدام القوات المسلحة التي هيأتها بدأب طوال اكثر من اربعين عاماً لهذه المهمة، غير عابئة بالنتائج الكارثية على حاضر البلاد ومستقبلها.
خلال عام ونصف عام من الانتفاضة تصاعد عنف نظام دمشق، وتدرجت مجازره المتنقلة الى ان وصلت حالياً الى معدل مجزرة في كل يوم، يشارك الطيران الحربي وسلاح المدرعات في تنفيذها، وارتفع عدد الضحايا خلال الشهرين الاخيرين الى درجة مخيفة لم يسبق ان عرفتها أي دولة اخرى حتى تلك التي شهدت اقسى الحروب الاهلية. وعلى رغم ذلك، لا يخرج الأمر في رأي وزير «المصالحة الوطنية» السوري عن كونه «سوء تفاهم بين الشعب والحكومة».
وتقدم المشاهد المروعة للدمار الذي احدثته الغارات الجوية على مدينة كفرنبل في درعا قبل يومين، وصور مقتلة اهالي داريا بريف دمشق، نموذجاً للمدى الذي وصلت اليه وحشية النظام في رده على التحرك المطالب برحيله، يوحي باستعداده لاستخدام وسائل اخرى أشد فتكاً كلما اشتد اطباق المعارضة عليه، وهو ما دفع قادة العالم الى توجيه تحذيرات اليه من مغبة اللجوء الى اسلحة محرمة.
تسلم بشار الاسد بعد رحيل والده دولة بوليسية فاسدة بكل المعايير يطغى فيها هاجس الأمن، بمعنى حماية النظام، على كل ما عداه، وتتغلغل اجهزة الاستخبارات في مختلف مستوياتها، وتتحكم في تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين الذين قتل الآلاف منهم او أخفي من دون اي محاكمة او حتى تهمة، في معتقلات هي عبارة عن دهاليز للموت البطيء تحت وطأة التعذيب والمرض.
وتبخرت بسرعة الوعود التي حاول رشوة مواطنيه بها للتغاضي عن التوريث المفضوح للسلطة في بلد يدعي ان لديه انتخابات ومؤسسات واحزاباً، علماً ان هذه الوعود كانت موجهة الى الخارج فحسب، ولم يكن الداخل يعني الكثير في حسابات الجهاز الحاكم.
وأثبت الإبن بسرعة انه اكثر بطشاً من أبيه، واتخذ من «التمثيل» بلبنان وقياداته وسيلة لإبقاء حال الفزع مسيطرة على السوريين ولمنعهم من نسيان «درس حماة». لكن هؤلاء الذين كانوا ينتظرون اللحظة المناسبة للتعبير عن رغبتهم في الانعتاق من النظام – الاكذوبة الرازح على صدورهم، اثبتوا ان احتمال السجن والتعذيب والقتل لم يعد يخيفهم.
وأمام هذا التصميم على التغيير، لم يجد الاسد الذي أكد امس انه «يحتاج وقتاً للحسم»، سوى التعنت ورفض المبادرات الداعية الى مرحلة انتقالية، وغير اعتماد التصعيد التدريجي للعنف، اولاً عبر زج المزيد من القوات المسلحة في العمليات العسكرية التي باتت تشمل سورية كلها تقريباً، ثم بفتح الباب امام المزيد من التدخل الايراني بالسلاح و «المتطوعين»، واخيراً بإقحام سلاح الجو في المواجهة مع مواطنيه. ولم يبق امامه ربما قبل اللجوء الى السلاح الكيماوي والجرثومي سوى استخدام ترسانة الصواريخ الاستراتيجية لقصف المدن الخارجة عن سيطرته. فهل يقدم على ذلك؟ سنعرف الجواب قريباً.