الجمعة الرّابعة عشرة من زمن العنصرة
قراءةٌ من وثائقِ المجمعِ المسكونيّ الفاتيكاني الثّاني إنتصارُ الكنيسةِ ٱنتصارُ العذراء (دستور عقائدي في الكنيسة، 65)
إِذا كانتِ الكنيسة، في شخصِ العذراءِ الكلَّيةِ الطُّوبى، قد بلغتِ الكمالَ بلا كلفٍ ولا غضن، فٱلمؤْمنونَ لا يزالونَ يجدِّونَ لينعموا في القداسةِ بٱنتصارهِمْ على الخطيئة: لهٰذا فإِنَّهم يرفعونَ عيونَهُم إِلى مريمَ المتلأْلئةِ مثالاً للفضائلِ أَمامَ جماعةِ المختارين. وإِذا ما فكَّرَتِ الكنيسةُ بتقوَى بمريم، وتأمَّلت بها على ضوءِ الكلمةِ المتجسِّد، فإِنَّها تُدخلُ بكلِّ ٱحترامٍ وتَعَمُّقٍ إلى صميمِ سرِّ التَّجسُّد، وتتشبَّهُ أَكثرَ فأَكثرَ بخَتَنِها السَّماويّ. فمريمُ هي الحاضرةُ فعلاً في قلب تاريخِ الخلاص، لَتَجمَعُ فيها وتَعْكُسُ متطلِّبات الإِيمانِ العُظمَى؛ وإِذا ما كانت بٱلنِّسبةِ إِلى المؤْمنينَ موضوعَ مديحٍ وتكريم، فإِنَّها توجِّههُم إِلى ٱبنها وذبيحتِه، وإِلى محبَّة الآب. وإِنَّ الكنيسةَ في سعيها إِلى تمجيدِ المسيح، تتشبَّهُ بمثالِها الأَكبر، وتتقدَّمُ تقدُّمًا مُطَّردًا في إِيمانًا ورجاءً، ومحبَّة، تبتغي الإِرادةَ الإِلٰهيَّةَ في كلِّ شيء، وتُتمِّمُها. لهٰذا تنظرُ الكنيسةُ في عملِها الرَّسوليِّ بعينِ الصَّوابِ إِلى تلكَ الَّتي وَلَدَتِ المسيح، الَّذي حُبِلَ بهِ منَ الرُّوحِ القدس، ووُلِدَ منَ البتول، كي يُولَدَ وينموَ أَيضًا بواسطةِ الكنيسةِ في قلوبِ المؤْمنين. والبتولُ كانت في حياتِها مثالَ الحبِّ الأُموميِّ الَّذي ينبغي أَن ينتعشَ بهِ كلُّ الَّذينَ، وقد ٱنضمُّوا إِلى خدمةٍ رسوليَّةٍ في الكنيسة، يعملُون على ولادة النَّاس منِ الرُّوح.
الرّسالة: 2 يو: 1-13
1 من الشّيخ الكاهن إلى السّيدة المختارة وأولادها الّذين أحبّهم في الحقّ، لا أنا وحدي، بل جميع الّذين عرفوا الحقّ،
2 لأنّ الحقّ ثابت فينا، ويبقى معنا إلى الأبد:
3 لتكن معنا النّعمة والرّحمة والسّلام من لدن الله الآب ويسوع المسيح ٱبن الآب، في الحقّ والمحبّة!
وصيّة المحبّة
4 لقد فرحت جدًّا لأنّي وجدت بعض أولادك سالكين في الحقّ، بحسب الوصيّة الّتي تسلّمناها من الآب.
5 والآن أسألك، أيّتها السّيّدة، لا كأنّي أكتب إليك بوصيّة جديدة، بل بالوصيّة الّتي كانت لنا منذ البدء، وهي أن نحبّ بعضنا بعضًا.
6 وهٰذه هي المحبّة، أن نسلك بحسب وصاياه. وهٰذه هي الوصيّة، كما سمعتم منذ البدء أن تسلكوا في المحبّة.
7 فإنّ مضلّلين كثيرين ٱنتشروا في العالم، وهم لا يعترفون أنّ يسوع المسيح أتى في الجسد، هٰذا هو الضّلّل والمسيح الدّجّال.
8 إنتبهوا لأنفسكم لئلّا تخسروا ما قد عملتم، بل لتنالوا أجرًا كاملًا.
9 كلّ من يتعدّى تعليم المسيح، ولا يثبت فيه، لا يكون الله معه. ومن يثبت في تعليم المسيح، يكون معه الآب وابن.
10 إذا جاءكم أحد لا يحمل هٰذا التّعليم، فلا تقبلوه في بيوتكم، ولا تلقوا عليه السّلام.
11 فمن يلقي عليه السّلام يشاركه في أعماله الشّرّيرة.
خاتمة
12 إنّ عندي أشياء كثيرة أكتب بها إليكم، ولٰكنّي لا أريد أن أكتبها بحبر وورق، بل أرجو أن آتي إليكم، فأكلّمكم مشافهة، ليكون فرحنا كاملاً.
13 يسلّم عليك أولاد أختك المختارة. آمين.
شرح آيات الرّسالة:
1 2 يو 3؛ 3 يو 1؛ 1 بط 5/13؛ 1 يو 3/18؛ أف 4/15؛ يو 8/32؛ 14/17؛ 1 يو 2/21.
الشّيخ: لقب محفوظ للمسؤولين عن الجماعة المسيحيّة الأولى (طي 1/5). كان للشّيوخ دور مهمّ، مع الرّسل، وبعدهم، في كنيسة أورشليم (رسل 11/30؛ 15/2، 4، 6؛ 16/4)، ولسترة وإيقونية وأنطاكية بسيدية (رسل 14/23)، وأفسس (رسل 20/17)، وربّمَا في كلّ كنيسة. كان دورهم مع الرّسل أشبه بدور شيوخ اليهود مع أحبارهم. هنا، لقب ليوحنّا المسؤول عن كنائس آسية الصّغرى كلّها.
المختارة: لقب للكنيسة المحلّيّة الّتي يكتب الرّسول إليها أو منها (13)، لأنّها مؤلّفة من مؤمنين (2 طيم 2/10؛ طي 1/1)، ٱختارهم الله وارثين لشعبه القديم (1 بط2/9).
عرفوا الحقّ: ترد لفظة "حقّ" في الرّسالة خمس مرّات في أربع آيات (1-4). مطبوعة بطابع جدليّ، تعني المؤمنين الصّالحين الحقيقيّين، السّالكين في الحقّ، الثّابتين في تعليم المسيح (9) غير أولٰئك المُضِلِّين الكافرين (7).
2 يو 14/16، 17.
الحقّ الثّابت فينا: يشدّد الرّسول على وجوب ثبات كلمة الله في قلوب المؤمنين (يو 8/37؛ 1 يو 1/8، 10؛ 2/4، 14، 24، 27؛ 3/9، 18)، لتضحي ينبوعًا فيّاضًا يغذّي الحبَّ المسيحيّ: "أحبّهم في الحقّ" (2 يو 1؛ 3 يو 1)، "في الحقّ والمحبّة" (2 يو 3).
معنا إلى الأبد: يُطمئن الرّسول المؤمنين، في الأزمنة الصّعبة، ويَعِدهم أن سَيَثْبتُ الحقّ فيهم، يعضدهم ويرافقهم طوال حياتهم، حتّى يتحقّق الزّمن النُّهيويّ (2 بط 1/12، 19). هٰذا التّحريض على الرّسوخ في الإيمان الحقّ، حتّى مجيء الرّبّ، مألوف في العهد الجديد (رسل 14/22؛ 1 قور 1/8؛ قول 1/23؛ 2 طيم 3/14-15.
4 1 طيم 1/2؛ 2 طيم 1/2.
نعمة ورحمة وسلام: حرفيًّا "نعمة رحمة سلام"، تحيّة مثلّثة، لم ترد في العهد الجديد إلاّ هنا وفي (1 طيم 1/2؛ 2 طيم 1/2).
5 3 يو 3، 4؛ 1 يو 3/19؛ 4/21؛ ف 7.
6 1 يو 2/7، 24؛ 3/11؛ 4/21؛ يو 13/34؛ 1 بط 4/8.
منذ البدء: راجع شرح 1 يو 1/1.
6 يو 14/15، 23، 24؛ 1 يو 3/23؛ 5/3.
7 متّى 7/15؛ 1 يو 2/18؛ 4/1، 3؛ 2 بط 2/1؛ 1 يو 2/22.
8 را 2/18؛ متّى 10/42.
لئلاّ تخسروا… أجرًا كاملاً: وفي مخطوطات "لئلاّ نخسر ما قد عملنا، بل لننال أجرًا كاملاً". والمعنى نُهيَويّ: على المؤمن أن يحذر من أن يخسر ثمرة أعماله، أجره الكامل. والأعمال هنا يلخّصها الرّسول في الإيمان والاعتراف بٱلمسيح يسوع (7)، وفي الأمانة لتعليمه (9).
8 1 يو 2/23-24؛ 4/15.
يتعدّى تعليم المسيح: إشارة إلى المعلّمين الكذّابين، الّذين يتعدّون حدود التّعليم الرّسوليّ الحقّ، والوصيّة الّتي كانت لهم منذ البدء (5-6)، لينشروا تعاليم بشر وخرافات نسيج خيال (طي 3/9؛ 2 طيم 2/16؛ 2 بط 1/16).
تعليم المسيح: التّعليم الّذي سلّمه المسيح إلى رسله، والتّعليم الرّسوليّ في شأن المسيح.
يثبت في تعليم المسيح: في المجلّد السّينائيّ والإسكندريّ والفاتيكانيّ ومجلّدات صغرى وترجمات قديمة عدّة. وفي مجلّدات كبرى وترجمات قديمة أُخرى "تعليم المسيح". وفي أخرى "تعليمه".
يكون معه الآب والابن: (1 يو 2/23-24). راجع شرح 1 يو 5/12.
10-11 يمنع الرّسول المؤمنين السّلامَ على المعلّمين الكذّابين، واستقبالَهم في بيوتهم، خوفًا من عدواهم السّيئة، ومشاركتهم في تعاليمهم الكاذبة وأعمالهم الشّرّيرة، وحِرصًا على الإيمان الرّسوليّ السّليم الحقّ. همّ يوحنّا هو هو همّ بولس الرّسول (1 قور 5/6، 9؛ 2 قور 6/14-18).
9 متّى 10/14؛ روم 16/17؛ أف 5/11؛ 2 تس 3/6؛ طي 3/10.
11 1 طيم 5/22؛ رؤ 18/4.
12 3 يو 13، 14؛ 1 يو 1/4؛ عد 12/8.
فرحنا: في المجلّد السّينائيّ ومجلّدات كبرى وصغرى وترجمات قديمة عدّة. وفي المجلّد الإسكندريّ والفاتيكانيّ ومجلّدات صغرى وترجمات قديمة، خصوصًا الفولكات "فرحكم"
13 2 يو 1.
أختك المختارة: تضيف مخطوطات "آمين"، وأخرى "النّعمة معكم. آمين"، ومخطوط من القرن الحادي عشر "الّتي في أفسس". يُرجَّح أنّها كنيسة أفسس، حيث يكتب الرّسول. الشّركة القائمة بين الكنائس المحلّيّة كلّها (1 يو 1/3)، يجعلها مرتبطة بعلاقة أخوّة فريدة، بعضها ببعض.
الإنجيل
لو 16: 13-17
ألله والمال
13 لا يقدرُ عبدٌ أن يعبُد ربَّين. فإمّا يُبغضُ الواحد ويُحبُّ الآخر، أو يُلازم الواحد ويرذُلُ الآخر. لا تقدرون أن تعبدوا الله والمال".
التّوراة وملكوت الله
14 وكان الفرّيسيّون، وهُم مُحبّون للمال، يسمعون هٰذا كلَّهُ، ويتهكَّمون عليه.
15 فقال لهم: "أنتم تتظاهرون بالبرِّ أمام النّاس، ولٰكنّ الله يعرفُ قلوبكم؛ لأنَّ الرّفيع عند النّاس هوَ رجاسةٌ أمام الله.
16 دامتِ التَّوراة والأنبياء حتّى يوحنّا. ومن ذٰلك الحين يُبشِّرُ بملكوت الله، وكلّ إنسانٍ يغصِبُ نفسهُ ليدخُلَهُ.
17 ولٰكن لأسهلُ أن تزول السَّماء والأرض من أن تسقُط نُقطةٌ واحدةٌ من التّوراة.
شرح آيات الإنجيل:
13 متّى 6/24.
الله والمال: عبادة الله تنفي عبادة المال. وما المال سوى عطيّة الله نستعمله في خدمته، وخدمة كلّ إنسان محتاج.
14 يتهكّمون: يتفرّد لوقا بٱستعمال هٰذا الفعل هنا وفي (23/35).
15 متّى 6/1؛ 23/28؛ لو 14/11؛ 18/9-14؛ مثل 24/12. يصف يسوع الفرّيسيّين بٱلرّياء: يتشدّدون في الحفاظ على أوامر الشّريعة ونواهيها طلبًا لمجد النّاس، ومكاسب الدّنيا. يذكّر كلام يسوع بحكماء العهد القديم (سي 7/54؛ مثل 24/12؛ 16/5).
16 متّى 11/12-13.
حتّى يوحنّا: يرى لوقا في يوحنّا المعمدان خاتمة أنبياء العهد القديم، وفي يسوع بدء الملكوت الجديد. راجع شرح لوقا 3/20.
18 متّى 5/18.
التّوراة: لا تسقط التّوراة، بتعليم يسوع، بل تجد فيه تمامها وكمالها. والفكرة مألوفة في متّى، وفي لوقا (18/31؛ 21/22؛ 22/37؛ 24/44؛ رسل13/29).
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع القراءة: (صلاة الشّحيمة الزّمن العاديّ جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1982)
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كلّيّة اللاّهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلاّح بكرم الرّبّ.