في معرض تصفّح جريدة "الديار" الغرّاء، استوقفني مقالٌ للكاتب ابراهيم ناصر الدين نُشر يوم السبت 25 آب 2012، لما تضمّنه من مغالطات وتجنٍّ بحق شريحةٍ واسعة من اللبنانيين يمثلّها رئيس حزب "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع.
إن إثارة المخاوف الإفتراضية لدى المسيحيين، واتهام الدكتور جعجع بزّج المسيحيين في "اتون الأزمة السورية" تمهيداً لتهجيرهم الى اوروبا، كما جاء في هذا المقال، إنما يأتي في سياق حملاتٍ دعائية مكشوفة، لا تأبه لا للمسيحيين ولا لسواهم من شعوب المنطقة، وإنما تهدف الى الترويج لبقاء نظامٍ قمعي متوحّش، حتى ولو على حساب حرية وكرامة شعوب المنطقة بأسرها.
وفي الواقع، إن موقف الدكتور سمير جعجع من الثورة السورية ينطلق اولاً وقبل اي شيءٍ آخر، من اعتباراتٍ إنسانية وأخلاقية ومبدئية، وهو ينسجم بالكامل مع موقفه من كل الثورات العربية، بما فيها الثورة المصرية، وذلك على الرغم ممّا كان يجمع "القوات اللبنانية" بالرئيس حسني مبارك من علاقات مودّةٍ، وإحترامٍ متبادل.
لذلك، فإن من يتباكى اليوم على مستقبل المسيحيين في الشرق، ويُثير بوجههم "فزّاعة" الإخوان المسلمين، ليس حرصاً عليهم بالطبع، وإنما لتبرير بقاء أنظمة القمع والديكتاتورية، كان هو بالذات اول المهّللين للثورة المصرية، والتونسية والليبية، التي مهدّت السبيل امام وصول الإسلام السياسي الى الحكم.
ولكن مع وصول رياح التغيير العربي الى نظام الحكم في سوريا، تبدّلت وجهة نظر هذا البعض، فانقلب على مواقفه السابقة بين ليلةٍ وضحاها، وبعدما كان وصول الإسلام السياسي الى الحكم في مصر وتونس وليبيا موضع ترحيب وتهليل، صار وصوله الى الحكم في سوريا مصدر خوف وهلع وقلق على المسيحيين!! فيا لها من مفارقةٍ مًضحكة مبكية!
من هنا يتبيّن ان الإعتبارات التي املت على قوى 8 آذار إثارة المخاوف حول مستقبل المسيحيين في سوريا، لا تنطلق من موقع الحرص على المسيحيين بحسب ما تدّعي هذه القوى، وإنما من منطلق الهلع والقلق على مستقبل النظام السوري نفسه، حتى ولو كلّف ذلك، إراقة الدماء، وتزوير التاريخ، وتدمير سوريا ولبنان، وتهجير من تبقّى من مسيحيين.
لقد بات جلياً، أن من يقوم بإثارة مخاوف إفتراضية بوجه المسيحيين، إنما هو نفسه من يُشكّل تهديداً حقيقياً وفعلياً وملموساً لهم. والأدهى من ذلك، ان هذا البعض بالذات، وبالتزامن مع تحذيره المسيحيين من خطرٍ إفتراضي داهم، يقوم بمصادرة اراضي الكنيسة في لاسا، ويدعو الى "تهجير المسيحيين من كسروان وجبيل لأنهم غزاة"، ويستحدث مُصلّى في جامعة الأنطونية رغماً عن إرادة الجامعة، ويحاول فرض الطابع الشيعي على جامعة الحدث، ويسعى الى المثالثة، اي الى انتزاع المناصفة الوطنية من أيدي المسيحيين، ويُجاهر علانية في بيانه التأسيسي أنه "جزءٌ من امّة الإسلام في العالم"، وهلّم جرّاً…!
إن من يحاول إقحام المسيحيين في العابه الخطرة، هو النظام السوري بالذات، وإلاّ فما الداعي لتعيين وزير دفاعٍ مسيحي هو المرحوم داوود راجحة في هذا التوقيت بالذات؟ الا يعني ذلك وضع المسيحيين في فوهة البركان، وتأليب الأكثرية الساحقة من الشعب السوري وشعوب المنطقة كلّها عليهم؟ ثم ما معنى ان يُرسل النظام اشخاصاً كميشال سماحة لإغتيال رجال دين مسيحيين وملسمين، بغية إثارة الفتن الطائفية بين السنّة والمسيحيين، بما ينقل المواجهة الدائرة في سوريا من طابعها الوطني التحرري الشريف، الى مواجهةٍ طائفية مقيتة.
إن الاعيب النظام السوري لم تعد خافية على احد، واوراقه باتت محروقة امام الجميع، ولم يبق له اليوم إلاّ ورقة الشائعات والدعاية الهدّامة التي ينشرها عبر بعض المقالات الخيالية المفبركة.
وبعد، لو أن النظام السوري يُقيم اي اعتبارٍ لشعور مسيحيي سوريا، لكان سارع الى إلغاء المادة الثالثة من الدستور السوري التي تُكرّس تمييزاً دينياً بغيضاً بحقّ مسيحيي سوريا، من خلال حرمانها اي مواطن مسيحي سوري من الترشّح الى موقع الرئاسة السورية. حتى ان الرئيس بشّار الأسد لم يُكلّف نفسه عناء تعديل هذه المادة، من خلال التعديلات الظاهرية الكبيرة التي ادخلها على الدستور قبل اشهر قليلة.
إن الدكتور جعجع الذي يحرص على مستقبل مسيحيي سوريا، حرصه على مسيحيي لبنان والشرق، وشعوب المنطقة برمّتها، يعلم علم اليقين ان بقاء مسيحيي سوريا على ارضهم، لا يكون من خلال تبعيتهم لنظامٍ إجرامي مُفلس إسلامياً وعربياً ودولياً، ولا من خلال عيشهم ككائناتٍ بيولوجية تأكل وتشرب وتنام من دون التفاعل مع القضايا الأخلاقية والإنسانية المُحقّة لشعوب المنطقة، وإنما من خلال تبنّيهم القضايا العادلة وتشكيلهم رأس حربة في الدفاع عن الحرية والإنسان، والمشاركة الفاعلة في رسم مستقبل سوريا والمنطقة مع إخوانهم المسلمين. وبالتالي فإن من يحاول ربط مصير مسيحيي سوريا بمستقبل نظامٍ قمعي مُفلس وزائل، إنما هو يضع المسيحيين امام أخطارٍ وجودية جمّة، ويجعلهم ساتراً لقلّةٍ حاكمة، بمواجهة شعوبٍ ثائرةٍ على الظلم والجور والطغيان.
كيف لنظامٍ قتل واعتقل واضطهد وهمّش ونفى مئات الآف من المسيحيين في لبنان، تماماً مثلما فعل مع شعبه نفسه، أن يكون مؤتمناً على مصير مسيحيي سوريا؟
كيف لنظامٍ تاجر بالقضية الفلسطينية، وصفّى حركات المقاومة الفلسطينية، وساوم على الجولان وعلى اي شيء آخر، في مقابل بقائه في السلطة، الاً يُساوم على مسيحيي سوريا في أيامه الأخيرة؟
حقيقة الأمر أن من هجّر مسيحيي العراق، ليس الجيش السوري الحّر ولا مطرب الثورة السورية ابراهيم القاشوش ولا الدكتور حعجع، ولا قوى "14 آذار"، وإنما النظام السوري نفسه، الذي شرّع حدوده مع العراق امام قوافل الإرهابيين. من هنا فإن من يريد فعلاً تهجير مسيحيي سوريا اليوم، هو نفسه من يحاول التلطّي خلفهم، وجعلهم ورقة ابتزاز ومساومة مع الغرب في سبيل البقاء في السلطة.