لن يجلس أهالي الشهداء في الصفوف الامامية. لن نرى الدمعة المالحة تكرج فوق الخدود المحفورة بوجع السنين. لن تدمع عيوننا كما اعتدنا ان نفعل كل قداس، ونستمتع بالحزن السعيد الذي ينتابنا. حزن عميق صار أعمق من أن تطاله روحنا، يجلس في قعر القلب ويلتصق بالجنبات، ليشكّل الطبقة الرديفة في القلب الذي يضخ حبا، ويحرّكنا في اللحظات الحاسمة.
نحب أن نبكي، أن ندمع في قداس الشهداء. هذا الدمع يردّنا اليهم. يسبح بنا في الذكرى. نعود بهم الى بيتنا في الارض، نستردّهم للحظات من بين أيدي يسوع. نستأذنه لبرهة، لوقت كرجة الدمع، لنشعر بوجودهم يحوم من حولنا. لن نفعل كل هذا لاننا لن نرى الوجوه المشعّة بالالم، ستغيب ام سليمان عقيقي، وديب مطر، وأكرم القزح، وكيروز بركات، والالاف غيرهم عن الصف الامامي. لن يجلس أحد الى مقاعدهم، ولا يمكن أن يفعل الا اذا أصبح مثلهم امهات وأباء شهداء، يغيبون عن الجلوس لكنهم هم الحاضرون، هم أصحاب الاحتفال، من أجلهم تُقدم الذكرى.
لن نزحف بالالاف كما كانت العادة، الى ساحة شاسعة بالكاد تتسع لتضخّم الامتنان والحب فينا، أقفل الوطن غير الامن ساحاته في وجه السلام، بعدما صار مشرّعا للموت وللعابثين بمنظومة الحياة والمؤمنين فيها. ضاقت الساحات بمن يحملون الرايات البيض، وصارت ملعبا لعاشقي الدخان الاسود. انكفأ الشهداء وأهاليهم وأحباؤهم الى حيث لا يمكن أن يجالسهم هيكل عظمي، في زمن الهياكل المتناثرة بين الاحياء. لن تُقفل الطرق بسبب زحمة وجودنا، لن تنقل الشاشات المرحّبة منها والتي تغص حتى بخبرنا، صورنا العابقة بالانتماء وشغف القضية. هذا ما يقدمه لنا الوطن في هذه الايام، الشحّ في كل شيء وأهم شيء، الكرامة والحياة.
أقف الى صورة شهيد أعرفه من الصورة. أرى فيه حزن الغياب، ولكن أرى ما هو أبعد بكثير. أرى نفسي. أجد صورتي تبتسم بالاطار المذهّب ومن حولي الزهر والدمع والحب، ووطن يزحل بكل ما فيه الى نهر الشهادة. أرى شهيدا يتكلم ويسأل "لم أنا هنا؟" هنالك قصده في البعيد. أراه يتحرّق لمعرفة الجواب، لمن يروي غليله هو من روى القضية بدمائه، ولم ترتو بعد. هنا سؤالهم تحديدا، لمَ لَمْ ترتو الارض بعد؟؟ انظر الى الصورة فأجد وجه امه تندهه للعودة، أرى وجهي المقنّع بالقوة وهو يجيبني ويجيبهم "استشهدتم لتكونوا القدوة والخميرة وخبز الايام وقمح الارض وماء النبع وربيع الاطفال وخير الطبيعة وثلج كانون. استشهدتم لتكونوا الحبّ المستحيل حين عجز كثر عن تقديم الحب في أزمان الغدر والخيانات المتعاقبة".
أخرج من الصورة. يغمرني الخوف، أهرع الى الحياة وأخرج من الاطار، أعرف اننا كلنا مشاريع شهداء، لكن لم أكن أعرف ان ساكني الصورة تخطوا كل الحدود ليسكنوا قصور الشجاعة. عرفت وأنا في الصورة اني لست شجاعة مثلهم ولن أكون يوما. سأكتفي بما يفعله كثر كثر مثلي. سأصلي لأجلهم، أو لعلني سأصلي لأجلنا نحن من ندّعي الحياة. سأنظر الى صورهم في قداس الشهداء بنظرة أخرى مختلفة، فيها الحزن أكيد لكن أكثر من ذلك، فيها الكبرياء. كيف يمكن لقضية أن تموت مات من أجلها كل هؤلاء؟ هؤلاء هم أبطال حقيقيون وليسوا من بطولات وملاحم وهمية في أساطير بائدة. كيف يمكن الا يكون الدمع سعيدا رغم بحر الحزن، على من صنعوا لنا اسطورتنا الخاصة الحصرية في زمن الابطال الوهميين والمنافقين والمتسلقين على أعناق الشهداء وصورهم، ليصنعوا مجدا لهم من رماد؟؟
يا حزننا السعيد التقينا ولن نتودّع ثانية. لا تهم الاماكن. أنظر الى أطفال يضحكون في شارع آمن فأعرف انه منهم، أرى أرزة في غابة فيعبق وجودهم، أرى شبانا يطالبون بالحرية والكرامة، فلا أرى حينها الا وجوههم محفورة في ثوار هذه الارض. لهم البخور والارض والسماء وكل ما هو حلو ونادر، ولنا شيء واحد، بعض من شجاعة، كثير كثير من الايمان لنمسح دمعة مالحة طعمها ولا أطيب.
