كتب معروف الداعوق في "اللواء":
حملت عملية القاء القبض على الوزير السابق ميشال سماحة من قبل شعبة المعلومات بقوى الامن الداخلي بالجرم المشهود بتهمة محاولة القيام بتنفيذ مخطط تفجيرات إرهابي بالاشتراك والتنسيق مع مسؤولين كبار في النظام السوري، لاغتيال بعض الشخصيات السياسية والدينية في منطقة عكار بهدف إثارة الفتنة الطائفية والمذهبية بين اللبنانيين في هذه المرحلة الدقيقة والحساسة من التوتر الحاصل في لبنان ولأجل تخفيف الضغوط القوية التي يتعرض لها نظام الرئيس السوري بشار الاسد بفعل تصاعد قوة الانتفاضة الشعبية السورية هذه، اكثر من مؤشر ومغزى سياسي وأمني، لا بد وأن ينعكس على واقع الحياة السياسية في لبنان والوضع الأمني كذلك.
اولى هذه المؤشرات، تدل على كسر هيبة وتسلط النظام السوري ومخابراته، التي طالما عانى منها اللبنانيون طوال العقود الاربعة الماضية، ولم يكن هناك من يجرؤ على مواجهة هذا التسلط أو الحد من نفوذ المخابرات المذكورة التي كانت لها اليد الطولى في إستباحة لبنان بكل الوسائل الترهيبية المتوافرة بمعزل عن أي رادع أو سلطة تكشف الحقائق عن الارتكابات والجرائم التي ترتكبها بحق شخصيات لبنانية او بحق المدنيين اللبنانيين، بل كانت كلها تطمس وتبقى طي الكتمان او تسجيل بحق مجهول، واذا تعذر ذلك، تلصق التهمة بالعدو الاسرائيلي، وهي تهمة جاهزة على الدوام لتجهيل المجرم، او القاتل الحقيقي.
اما المؤشر الثاني، فيدل على بدء مرحلة جديدة في التعاطي الامني بين البلدين، بفعل حرص مثل هذه المخططات الارهابية وعدم خضوعها لهيمنة وتسلط المخابرات السورية، كما هي حال بعض الامنيين الذين ما يزالون يخضعون لمشيئة وتوجهات بعض المسؤولين في المخابرات المذكورة، كما حصل في بعض الاحداث مؤخراً وخلافاً لما تقتضيه المصلحة الوطنية اللبنانية العليا.
فهذه المرحلة الجديدة تختلف عما كانت عليه مرحلة الاستباحة المفتوحة للبنان امام تحركات ومخططات واستهدافات المخابرات السورية التي بدأت تعتمد أساليب اخرى من وراء الحدود، كما جرى خلال تحريك بعض ادواتها المعروفين لتفجير الوضع الامني في عاصمة الشمال مؤخراً.
ويتضمن المؤشر الثالث لعملية القاء القبض على سماحة بحجم وانواع وعدد العبوات الناسفة التي نقلها من مخازن المخابرات السورية في دمشق، تأكيد الشكوك والاتهامات التي كانت في حوزة القوى الاستقلالية عن مسؤولية النظام السوري بالتفجيرات الارهابية وعمليات الاغتيال التي استهدفت شخصيات ورموزاً سياسية ووطنية بارزة طوال المرحلة الماضية، بدءاً من جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر الجرائم الاخرى، واسقطت الكثير من الذرائع والحجج التي تلطى وراءها اتباع النظام السوري في لبنان لتبرئته زوراً من ارتكاب هذه الجرائم في المرحلة السابقة، وفتحت الباب امام اجراء مقارنة دقيقة بين العبوات المتفجرة المصادرة من سماحة وبين العبوات القاتلة التي استهدفت الشخصيات المذكورة وسائر الجرائم المرتكبة.
والمؤشر المهم الآخر هو خلق مخاوف ومحاذير جديدة لدى اذرع النظام السوري المزروعة في التنظيمات والاحزاب وغيرها من الاقدام على تنفيذ اية عمليات اغتيال سياسي او تفجيرات ارهابية في المرحلة المقبلة للتأثير في الواقع السياسي او اثارة الفتنة واحداث البلبلة وما شابه، خشية انفضاح امرها والقاء القبض عليها ومحاسبتها بعدما تبدل الواقع الامني السائد في لبنان حالياً، بفعل المراقبة الامنية الفعّالة وإنكشاف مخطط التفجيرات الارهابية على مصراعيه بكل ما كان يهدف اليه من تداعيات ومخاطر.
كذلك، لا بدّ من الإشارة إلى هشاشة الأسلوب الذي اتبعته المخابرات السورية في تكليف شخصية سياسية موالية لها في تنفيذ المخطط الارهابي، على هذا النحو الذي يدل إما على قلة خبرة أو ضعف أو تآكل هذه الأجهزة بفعل الثورة السورية العارمة وإما على انقطاع أو تعذر وجود منفذين ارهابيين محترفين للقيام بتنفيذ مثل هذا المخطط الاجرامي في الداخل اللبناني جرّاء انشقاقهم او تهربهم أو ابتعادهم للتموضع في مواقع أو اصطفافات سياسية أخرى، كما هي حال بعض الشخصيات السياسية التي بدأت فعلياً في البحث عن تموضع جديد لاستباق سقوط النظام السوري ولتفادي اي خسائر شعبية قد تلحق بها جرّاء ذلك.
وبالطبع، تبقى الإشارة الأخيرة إلى التغطية السياسية لعملية إلقاء القبض على الوزير السابق ميشال سماحة، والتي حملت في طياتها مواقف ونظرة سياسية للعلاقة مع الرئيس السوري بشار الأسد ونظامه، وهي نظرة تحمل في طياتها تبدلاً واضحاً عن النظرة السابقة، ودلائل على بدء العد العكسي لرحيل النظام المذكور، مما استتبع حملة مضادة مجهولة المصدر، لا تقدّم ولا تؤخّر في مجريات الاحداث المتسارعة نحو انهيار النظام.